الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ١٨١
وعده، وأظهر دعوته، وأبلج حجته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه، فكان أبوك وفاروقه أولمن ابتزه حقه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفاقاً واتساقاً، ثم إنهما دعوه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم، ثم إنه بايعهما وسلم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله. أبوك مهد مهاده وبنى لملكه وساده، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبد به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خلافنا ابن أبن طالب، وسلمنا إليه، ولكن رأينا أباك فعل ذلك به قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك. والسلام على من أناب)[١].
فقد عرفت بذلك السر الذي منع الطبري وابن الأثير وابن كثير من نقل هذه لأنها تكف واقع الصراع والخلاف الذي حدث بين المسلمين في أمر الخلافة، التي هي حق لعل، فهذا معاوية يعترف بذلك ولكنه يعتذر بأن خلافته هي امتداد لخلافة أبي بكر، ويشنع بذلك على ابنه (محمد بن أبي بكر) حتى يسكته عن الكلام في هذا الأمر.
.. ولكن لا عليك يا معاوية فإن لم يسكت محمد بن أبي بكر ولم يستر أمرك فقد سكت عنها الطبري وابن الأثير وابن كثير.
والشواهد على ذلك كثيرة من تزييف المؤرخين وتحريفهم للحقائق، يطول بنا المجال باستقصائها، والمتبع في التاريخ يجد ذلك جلياً، ومن العجب أن المؤرخين لا يسترون ما فعلون من التحريفات، فتجد إشارة واضحة على ما فعلوه، فمثلاً فيما حدث لأبي ذر من إهانات جرت له من سوء معاملة عثمان له، ففي هذا يقول الطبري: فقد ذكر في سبب إشخاصه ـ أي أبي ذر ـ إياه منها أ أي من الشام ـ أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها)!
وبهذه الصورة الواضحة نكتشف تحريف الطبري للحقيقة.
[١] المصدر السابق ص٢١.