الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٤٦
وهكذا كل واحد يجر النار إلى قرصه، ويتعصب لإمامه، ويفتخر بمذهبه ويتبرى من المذاهب الأخرى، حتى قيل: (إن من يصير حنفياً يُخلع عليه، ومن يصير شافعياً يُعزّز[١]. وقد وصف السبكي، في طبقات الشافعية بقوله: (فهذا أبو سعيد المتوفي سنة ٥٦٢هـ كان حنفي المذهب، وتحول شافعياً، فلقي عناء وامتحن لذلك، وهذا السمعاني لما انتقل من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي لاقى محناً وتعصباً، وقامت الحروب على ساق، وأضرمت نيران الفتنة بين الفريقين، فكانت تملأ ما بين خراسان والعراق واضطرب أهل مرو لذلك اضطرباً فظيعاً، وفُتحت باب المشاقة، وتعلق أهل الرأي بأهل الحديث وساروا إلى باب السلطان... إلى آخر ما وصفه[٢].
ومثل هذه الحوادث كثيرة لا تخصى، وما ذكرناه كاف كنماذج وأمثلة لحركة الاختلاف والتعصب بين المذاهب الأربعة، حتى أصبح التكتم بالمذهب لازماً. يقول أبو بكر محمد بن عبد الباقي المتوفي سنة ٥٣٥هـ في ذلك - وكان حنبلياً يصف حالة التكتم بقوله:
| احفظ لسانك لا تبح بثلاثة | سن ومال ما استطعت ومذهب |
| فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة | بمكفر وبحاسد ومكذب |
وقد صور الزمخشري الخلاف وشدة التطاحن بين المذاهب بقوله:
[١] الدين الخالص ج٣ ص ٣٥٥.^
[٢] طبقات الشافعية ج٣ص ٢٢.