الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ١٤٨
فمثل هذه الكلمات العنيفة التي تخرج في هذا المكان الانتخابي الحساس إلى حد التهديد بالضرب والدعوة للقتل إنما تدل على تلك النفوس المليئة بالحقد والمشبعة بالعداء والكراهية لبعضها البعض.. فكيف لنا أن نقبل مشورة مثل هؤلاء ـ إن صحت الشورى ـ.
ثم انظر إلى كلماتهم واحتجاجاتهم على بعضهم البعض، فهي احتجاجات واهية بعيدة عن الصواب، فاحتجاج عمر مثلاُ ـ وهو أقوى الاحتجاجات: (لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمرهم منهم).
فإذا كان العرب لا يرضون بإمارة من هون بعيد عن النبي، فبالأولى أن ترضى بإمارة من هو أقرب من رسول الله (ص) وهو علي بن أبي طالب (ع)، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع): (احتجوا بالشجرة وتركوا الثمرة)[١].
وإذا كانت العرب لا ترضى بإمارة علي (ع) فبالأولى أن لا ترضى بإمارة رجل من قبيلة تيم، فإذا كانت هذه حجتهم فلعلي (ع) الحجة البالغة.
.. قال أبو بكر الجواهري في احتجاج علي (ع): (وعلي يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول الله) حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا بايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم وإلا فبؤوا بظلم وأنتم تعلمون فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع..
[١] شرح النهج لابن أبي الحديد ج٢ ص٢.