الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ١٦
الأماكن لا تعتبر طرقات، وثانياً وهي مشكلة كل الوهابية، أن الواحد منهم بزمن قليل من تدينه وبقليل من العلم، يصبح مجتهداً يحق له أن يفتي في أي مسالة، وأذكر يوماً أن أحدهم كان جالساً معي أناقشه في كثير من الأمور، وفي أثناء النقاش انتفض قائماً بعدما سمع صوت أذان المغرب في مسجدهم، قلت له مهلاً نكمل حديثنا. قال: لا حديث، قد حان وقت الصلاة، هيا لنصلي في المسجد، قلت له: أنا أصلي في بيتي ـ رغم التزامي بالصلاة معهم ـ قال صارخاً: باطلة صلاتك. انذهلت من هذا القول.. وقبل أن استفسر أدار ظهره ليذهب. قلت له: مكانك، ما هو سبب بطلان صلاتي في البيت؟
قال (بكل افتخار وعجب): قال رسول الله (ص): لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قلت له: لا خلاف في أفضلية صلاة الجماعة في المسجد، ولكن هذا لا يعني سلب صحة الصلاة في غير هذا الموضع، والحديث ناظر لتأكيد هذه الأفضلية لا لتبيين حكم الصلاة في البيت، والدليل على ذلك أننا لم نر في الفقه أن من مبطلات الصلاة الصلاة في البيت، ولم يفت أحد من الفقهاء في هذه المسألة، ثم ثانياً بأي حق تصدر هذه الأحكام؟! هل أنت فقيه؟!.. ومن الصعب جداً أن يفتي الإنسان ويبين حكماً لموضوع معين، فالفقيه يقم بدراسة كل النصوص في مثل هذا المورد، ويتعرف على دلالة الأمر والنهي في النص.. هل يدل الأمر على الوجوب أم على الاستحباب، والنهي هل يدل على الحرمة أم الكراهة.. فهذا الدين عميق فأوغل فيه برفق.
بدا الانكسار في وجهه، وعبس وبسر ثم قال: أنت تؤول الحديث، والتأويل حرام.. وذهب..
فاحتسبت أمري لله من هذا الأحمق الذي لا يفهم شيئاً.