الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٣٥١
حجية له، وإن كان في العقل قدر من الحجية فإنما هي مستمدة من الشرع، وما كان هذا الرأي المتطرف إلا ردة فعل عن منهج المعتزلة الذي يعتبر ان حجية العقل ذاتية، وأن الدليل السمعي الذي لا يوافقه العقل القيمة له، وقد علمت أن المعتزلة قد أخذوا الناس بالجبر في عهد المأمون والمعتصم والواثق لقبول منهجهم وقد ابتلوا أهل الحديث خاصة بأنواع العذاب مما سبب لهم موقفاً خاصاً من المنهج العقلي، وإلا ما هو دليلهم في العزوف عن العقل وجمودهم على ظاهر النصوص؟! وما حدث من الشد والجذب بين المعتزلة والحنابلة قطع بينهم أسلوب التفاهم للوصول إلى نقاط مشتركة، فحافظ كل كيان على منهجه وتعصب له، ولا يمكن حل هذه المشكلة الجوهرية التي ينبني عليها فهم الدين ومعتقداته إلا باكتشاف معيار ثابت يتفق عليه الجميع حتى يكون قاسماً مشتركاً في التفكير والتعامل مع الدين.
ينقل المؤلفان، حنا الفاخوري، وخليل الجر: (وهناك نوعان من البرهان العقلي الذي لا يستند إلا إلى العقل ومبادئه، والبرهان السمعي الذي يستند إلى القرآن والحديث والاجماع، وفيما نرى المعتزلة لا يعترفون إلا بقيمة الأول، ويعتبرون أن كل برهان سمعي لا يدعمه العقل مردود، يظل المتكلمون وعلى رأسهم الاشاعرة يؤكدون أن البراهين العقلية لا قيمة لها غلا لأن الشرع يأمر بها، وأن العقل لا قيمة له في ذاته بل فيما يستمده من الشرع)[١].
فانظر إلى البون الشاسع في وجهات النظر، فريق لا يعترف بقيمة العقل وحجيته وفريق لا يعترف بقيمة سوى العقل.
وهذا الاختلاف المنهجي هو سبب تفرق المسلمين وتمذهبهم عندما اختلفوا في أسس التفكير، فباختلاف المناهج اختلفت النتائج، فإذا كان هناك
[١] تاريخ الفلسفة العربية ج١ ص١٧٩.