الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٨٦
وقد كان النصيب الأكبر في القرب من المتوكل هو لأحمد بن حنبل، لأنه هو البقية من محنة القرآن بعد أن قتل أبطاله. وكان المتوكل يوصي الأمراء باحترام أحمد وتقديره، ويصله بصلات سنيه ويعطف ليه ورتب له في كل شهر أربعة آلاف درهم[١]. فعلا نجم أحمد وازدحم الناس على بابه وتهافت رجال الدولة وأعيانها عليه، وكان أحمد في المقابل يذهب إلى صحة خلافة المتوكل وإمامته ولزوم طاعته، وكان يؤيد الدولة ويشد أزرها، وهذا ليس بغريب من أحمد فإنه يرى طاعة الحاكم أياً كان براً أو فاجراً.
قال أحمد في إحدى رسائله: والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر ولافاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسُميّ أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة وليس لأحد أن يطعن عليهم أو ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز من دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من ولي جائزة إمامته ومن أ، عادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة.
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو الغلبة، فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية[٢].
ويقول أبو زهرة في نفس الكتاب ص ٣٢١: (ولأحمد رأي يتلاقى فيه مع سائر الفقهاء وهو جواز إمامة من تغلب ورضيه الناس، وأقام الحكم
[١] تاريخ ابن كثير ج١٠ص ٢٣٩.
[٢] تاريخ المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة ج٢ ص ٣٢٢.