الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٨٣
والامتحان: (وقد كان صاحبكم هذا - أي أحمد بن حنبل - يقول: لا تقية إلا في دار الشرك، فلو كان ما اقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية، فلقد أعملها في دار الإسلام وقد كذب نفسه، وإن كان ما أقربه على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم، على أنه لم ير سيفاً مشهوراً، ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار مشبعة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيق ولا كانت حله مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خُلع قلبه بشدة الوعيد ولقد كانت منازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ويرزنون ويخف ويحلمون ويطيش)[١]...
ويؤيد ذلك ما ذكره اليعقوبي في تاريخه من قول الجاحظ بإقرار أحمد بن حنبل بأن القرآن مخلوق، قال: (وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا فأحضر له الفقهاء وناظره عبد الرحمن بن إسحاق، وغيره.. فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولني يا أمير المؤمنين مناظرته، فقال: شأنك به، فقال إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟!
فقال أحمد: بل علمته من الرجال.
فقال إسحاق: شيئاً بعد شيء أو جملة؟
قال: علمته شيئاً بعد شيء.
قال إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه.
قال أحمد: بقي عليّ شيء لم أعلمه.
[١] مقدمة كتاب - أحمد بن حنبل والمحنة ص ١٤، نقلاً عن هامش الامل ج ٣ ص ١٣١ - ص ١٣٩.