الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٨٢
أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين على أنه - أي القرآن قديم أزلي لم يخلقه الله ويخترعه.....)[١].
ومن هنا بدأت محنة خلق القرآن، ولم يقع ابن حنبل في فخ الامتحان والتعذيب إلا في عهد المعتصم، لوفاة المأمون قبل امتحانه. وقد كان المعتصم شديداً في امتحان الناس والتكيل بهمن وعندما جاء دور أحمد بن حنبل، فقد أقسم أنه لا يقتله بالسيف وإنما يضربه ضرباً بعد ضرب.. ويزجه في مكان مظلم لا يرى فيه النور، وبقي أحمد ثلاثة أيام يؤتي به كل يوم للمناظرة، عسى أن يرضخ لحكم السلطة ولكنه تمسك بقوله ورفض. فلما يئس المعتصم منه أمر بضربه بالسياط، وضرب ٣٨ سوطاً، ولم يدم بعد ذلك تعذيب ابن حنبل فقد أطلق المعتصم سراحه وهذا ما يثير العجب والغرابة، هل هذا كاف في أن يصنع من أحمد بطلاً تاريخياً وقد شهد التاريخ أناساً أكثر منه تعذيباً وصبراً؟! ثم لماذا لم يدم تعذيبه؟! هل خضع وقال بمقالة السلطان؟
وقد ذكر بعضهم أن العامة قد اجتمعوا على دار السلطان، وهموا بالهجوم، فأمر المعتصم بإطلاقه..، وهذا لا يستقيم وتاريخ المعتصم الذي عرف بالقوة وصلابة الإرادة، وعظمت دولته، فلا يؤثر فيها استنكار العامة، ثم أي عامة هذه، هل هم أتباع أحمد؟! لم يكن أحمد مشهوراً ومعروفاً قبل المحنة حتى يكون له عوام، وإذا كانوا أتباعه فقد تحرم أحمد عليهم الخروج على السلطان..! فهذا السبب غير مقنع.
ويظهر أن سبب ذلك أن احمد أجاب الخليفة وقال بمقالته، فأطلق سراحه كما ذكر الجاحظ في رسالته مخاطباً أهل الحديث بعد أن ذكر المحنة
[١] الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج٢ ص٤٥٣.