الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٦٥
فقال عبد الله: وما تصنع بي؟ أبيدك ضرر أو نفع؟ والله ما أخاف ضرك ول أرجو نفعك، حتى يكون الله عز وجل يأذن لك فيّ.
قال المنصور: إنك أحللت بنفسك وأهلكتها.
فقال عبد الله: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري، فلا تدع من الضر شيئاً إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي، فاقطع عني كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شيء، وأنت مليك كل شيء.
فأمر به أبو جعفر، فحمله إلى بغداد، فسجنه بها ثم أطلقه[١].
ولذلك نجد مالكاً بعُد عن الإمام الصادق (ع)، لأنه لا يتفق مع آرائه من مجانبة السلطان والابتعاد عنه.
وأنا - في نظري - أن السبب الأساسي في غضب السلطة أولاً على مالك لأنها رأت منه تودداً للإمام الصادق (ع)، والشبهة التي كانت تدور في ذلك القوت، أن العرب يريدون أن يثاروا لأهل البيت، ولذلك نجد أن السلطة قربت الموالي ونصرت أبا حنيفة في الكوفة، وعندما انتفى هذا الأمر لم تجد السلطة طريقاً إلا أن تلمع شخصية مالك وتطرحه كرمز ديني للدولة، حتى يصدق عليها اسم الدولة الإسلامية، وخاصة أن العباسيين ثاروا على الأمويين بحجة أنهم بعدوا عن الدين، ولهذا نجد أن المرسوم الملكي صرح بصلاحيات لمالك لم تكن معهودة عند عالم من قبل: (إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء أو شر في الرعية. فاكتب إليّ بذلك أُنزل بهم ما يستحقون).
فعظُمت بذلك منزلة مالك، فأخذ الولاة يهابونه هيبة المنصور، كما حدّث الشافعي عندما قدم المدينة يحمل كتاباً لواليها من والي مكة، ويطلب منه أن يوصله إلى مالكن فقال الوالي: يا فتى إن المشي من جوف المدينة إلى
[١] الإمامة والسياسة ج١ص ١٥٦.