الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٦٤
وهذا السؤال الحائر، والاستفهام الذي يعترض من يدرس تاريخ الإمام مالك فيلاحظ تبدل العلاقة بينه وبين الدولة، من حالة ضغط وغضب إلى أن أخذ مالك والمنصور يتبادلان العواطف والثناء.
فالمنصور يقول لمالك: أنت والله أقل الناس وأعلم، ولئن بغيت لأكتبنّ قولك كما تُكتب المصاحف، ولأبعثنّ به إلى الآفاق فأحملهم عليه.
ومن هنا كانت انطلاقة مذهب الإمام مالك عندما أصبح رضاً للسلطان، وإلا فإن المسالة ليست علماً وعدمه بل ملك وسلطان ودعاية وإعلام، وحمل الناس بالرضا أوب القهر على تقليد المذهب، وهذا هو الذي دعى ربيعة الرأي - أستاذ مالك وأكثر منه علماً - أن يقول: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير حمل علم[١].
وعندما حصل مالك من السلطتن هذا الرضا، أخذ يقول: (وجدت المنصور أعلم بكتاب الله وسنة رسوله وآثار من مضى).
سبحان الله!، أي علم للمنصور، حتى يكون أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله (ص)؟!
ولكنه التزلف، والتقرب إلى المُلك والسلطان.
وأما الدليل على أن مالكاً كان منزوياً عن السلطان؟! لم يحدثنا التاريخ انه وقف بجرأة أمام المنصور، يخالفه في أمر أو يعترض طريقه، كما فعل عبد الله بن مرزوق عدما التقى بأبي جعفر في الطواف، وقد تنحى الناس عنه، فقال له عبد الله: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس تحول بينه وبينهم وتنحيهم منه؟!
فنظر أبو جعفر في وجهه فعرفه. فقال: يا عبد الله بن مرزوق، من جرأك على هذا، ومن أقدمك عليه؟
[١] طبقات الفقهاء لأبي اسحاق.