الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ١٨٥
ثم يواصل قوله: (فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجري حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى على معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله).
ويضيف: (ثم كتاب إلى عماله نسخة إلى جميع البلدان: انظرا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة علي (ع) ليأتيه من يثقبه، فيدخل بيته، فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه مملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة، ليكتمن عليهم، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاء والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية، القراء المرأؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقدروا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين، الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها)[١].
ويتضح لك من ذلك شدة المؤامرة التي حيكت لتزييف الحقائق إلى درجة أنهم أحلو الكذب على رسول الله (ص)، وكل هذا يرجع للعداء الشديد الذي يحمله معاوية لعلي وشيعته، ولذلك جند معاوية كل إمكانياته
[١] تأملات في الصحيحين ص ٤٢ـ٤٤.