الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ١٢
فتعرفت على قادات التحرر في العالم الإسلامي، أمثال عبد الرحمن الكواكبي، والسنوسي، وعمر المختار.. وجمال الدين الأفغاني، ذلك الثائر والعبقري المفكر الذي انطلق من أفغانستان وتنقل في عواصم الدول الإسلامية والغير إسلامية ناشراً الفكر الحيوي الذي يتناول أبعاد التخلف في العالم الإسلامي وكيفية علاجها.
وما شدّ انتباهي! هو أسلوبه الذي كان يمارسه في عمله الجهادي من الحكمة والحنكة ونشر الثقافة وإعطاء الرشد الفكري للأمة الإسلامية، من غير أن يحمل سلاحاً..!
فقد كنت أعتقد، أن كل من يريد أن يجاهد ويدافع عنالمسلمين، لا بد أن يرفع السيف ويخوض الحروب والمعارك، فكان أسلوبه مغايراً تماماً لما كنت أتصوره، فأسلوب الكلمة والثقافة الواعية شيء جديد في تفكيري الديني، ولكني لم أستطع التخلي بسهولة عما بنيت عليه أفكاري وطموحاتي، رغم اكتشافي أن أزمة الأمة أزمة ثقافة رسالية ناضجة، لأن الثقافة هي التي يمكن أن تُحمّل كل فرد مسؤوليته، فهذا هو جمال الدين طاف العالم وهو يبث نوره وبركته وينشر الفكر والثقافة التي تلقاها المسلمون بترحيب وتفاعل، لأنها كانت تحل لهم مشاكلهم وتتعامل مع واقعهم، فأرهب بذلك القوى الاستعمارية الحاقدة، فكانت العروة الوثقى[١] وحدها تحد شامخ لهم جعلهم يعملون على محاصرتها ومنع إصدارها.
فكان التساؤل الذي يراودني:
كيف تمكن هذا لفرد الوحيد أن يغير تلك الموازنات، وكيف أرهب كل هذه القوى المستكبرة؟!
[١] وهي جريدة اصدرها جمال الدين وتلميذه محمد عبده في لندن.