الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٩٨
قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا}[١]، وجعل الملك في بني إسرائيل من قبل الله تعالى دليل على كونه جعلاً إلهياً وعهداً منه، وأنّ سنخ جعل الملك كما هو في جعل النبوّة، كما في قصّة طالوت حيث جعله الله ملكاً بغضّ النظر عن اختيار الناس له، والملك هنا ملك تصرّف فهو لا يقتصر على الاعتبار التشريعي، بل الملك هنا أعمّ كما في قوله تعالى في آل إبراهيم: {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}[٢]، فهو منصب إلهي غير منصب النبوّة; إذ إنّ موسى (عليه السلام) جعل الملك نعمة وحبوة، وهي غير مختصّة ببني إسرائيل فتعمّ كلّ الأمم، والأُمّة الإسلامية هي أولى في جعل الملك لديها وهي الإمامة، ففي آيات عدّة عُرّف حدّ الإمامة بالملك وولاية التصرّف.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا}[٣]فمع كون النقباء غير أنبياء إلاّ أنّ التعبير ورد (وبعثنا)، فبعث النقباء كبعث الأنبياء عهد إلهي ملكوتي تكويني، وقد ورد التعبير بعينه إيضاً في طالوت حيث قال تعالى على لسان نبيّ بني إسرائيل: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}[٤] كذلك. والنقابة هي معرفة أحوال القوم وخفاياهم، فالنقيب من نقّب عن أحوال قومه، ولذا فقد ورد في صفاة الإمام معرفته لأحوال وأسرار أُمّته، حيث ورد في الروايات إنّ (عليه السلام) له عمود نور يرى بواسطته أعمال الناس، وهو مفاد قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[٥]، فالمؤمنون ههنا خصوص الأئمةّ الشهداء على أعمال البشر يرون الأعمال حين صدورها من الإنسان، وهو معنى الشهادة والرؤية لها في سياق رؤية الله تعالى ومن بعده رسوله (صلى الله عليه وآله) ومن بعده
[١] سورة المائدة ٥: ٢٠.
[٢] سورة النساء ٤: ٥٤.
[٣] سورة المائدة ٥: ١٢.
[٤] سورة البقرة ٢: ٢٤٧.
[٥] سورة التوبة ٩: ١٠٥.