الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٩٤
ذاتاً بل وعصمته عن أن يُخترق حريم عصمته من البيئة المعاشة.
وبذلك يظهر دلالة قوله تعالى الذي هو بنفس التعبير والتركيب: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً}[١] على عصمتهم الذاتية وعلى عصمتهم عن أن يخترق الرجس حريم عصمتهم، كما يشير إلى ذلك أيضاً ما في زيارة سيد الشهداء (عليه السلام): "ولم تنجّسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها"، وهذا دليل على أنّ يوسف (عليه السلام) لم يهمّ بها بل هي همّت به.
لذا فإنّ لدى المعصوم شعاع من العصمة يمنع السوء عن المعصوم فضلاً عن عصمته الذاتية. وفي سورة الدهر أكّدت أنّ أهل البيت (عليهم السلام) من عباد الله المخلصين حيث أخلصوا مع الله تعالى فانتجبهم واجتباهم، وحيث جعلوا فوق مقام الأبرار فهم يسقون الأبرار من عين الكافور فيمزجون شرابهم منه.
قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الاَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الاَْرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الُْمحْسِنِينَ}[٢].
وهذه المرتبة حيثية أُخرى غير النبوّة يمكن أن تجعل النبيّ حاكماً في الأرض، والشرائط الشرعية في كونه حاكماً أن يكون حفيظاً عليماً، وهي بعينها شرائط الإمامة، وهي كونه تتوفّر لديه العصمة العلمية (عليم)، فضلاً عن العملية (حفيظ)، بخلاف من قال بتقديم المفضول على الفاضل كما ذهبت إليه المعتزلة.
وفي الآية مفهوم من أقوى المفاهيم، وهو مفهوم التعليل حيث علّلت العلم علّة لمنصب الحاكمية والجاهل ليس له ذلك، وهذا ما تلتزم به الإمامية من كون
[١] سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.
[٢] سورة يوسف ١٢: ٥٤ - ٥٦.