الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٩٢
موكول أمره إلى الله تعالى.
وتمكين يوسف في الأرض مقاماً غير النبوّة، بل هو مقام حاكمية من قبل الله تعالى، وهي إحدى الحبوات التي حُبي بها يوسف (عليه السلام).
وإنّ ما عمله أُخوة يوسف (عليه السلام) هو بنفسه يصبّ في الغرض الإلهي وإن كان معصية من قبلهم، وهذه سنّة لا تتخلّف من أنّ كلّ ما يعمله الظالمون والمفسدون فإنّه غير غالب لتدبير الله تعالى، بل الله تعالى غالب على أمره قد جعل الله لكلّ شيء قدراً {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[١] فإنّه أخيراً سيصبّ في الغرض الإلهي، ولا يعني هذا حسن عمل السوء، فالقبيح يبقى قبيحاً، وعمل السوء يحيق بصاحبه: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}[٢]، ولا يضرّ الله شيئاً وهو ما تؤكّده الآية التالية ـ نظير عمل إبليس، فإنّ دخول الشرور في منظومة الخلقة الإلهية لا يخرج الأمر عن تدبيره تعالى، ولا يعيق قيد شعرة الخطّة الإدارية التكوينية عن الوصول إلى الغايات الكمالية.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} وهذا تأكيد على أنّ كلّ مجريات العالم بدقائقه وكلّياته مرتبطة بإرادته تعالى، وهذا خلاف ما ادّعته اليهود بأنّ يد الله مغلولة فأجابهم الله تعالى بقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، فالإرادات التكوينية للمخلوقين لا يمكن أن تتخطّى إرادة الله تعالى، لا بمعنى إلجائهم بنحو يفقدهم الاختيار إلى الجبر، بل بمعنى إنّ ما يفعلوه من أفعال الشرّ يستثمره الباري تعالى بلطيف قضاءه وقدره ومكنون حكمته في تحقيق الغايات الكمالية الإلهية، ففعلهم شرّ، إلاّ أنّ فعله تعالى في تدبير القضاء والقدر لاستثمار ذلك خير تامّ بالغ، فكيف نتصوّر بعد ذلك أنّ الله تعالى قد رفع اليد عن الأُمور الاجتماعية
[١] سورة الأنفال ٨: ٣٠.
[٢] سورة فاطر ٣٥: ٤٣.