الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٦٨
وهي الإتيان بمثل فعل الغير لأنّه فعله، لا لوجه آخر، ولا يخفى ما فيها من الخضوع للخضر، وهو في هذه المتابعة مأمور بالكون معه، وفي هذه كمال التواضع والتفخيم للخضر، والتعبير (على أن تعلّمني) أي لا يشترط أن تعلّمني، فيدلّ على الرجاء، والتعبير بتعلّمني ولم يقل أعلم، والتعبير (ممّا علمت)، أي ليس هو كلّ ما عُلّمت وهو تفخيم ودليل أنّه تعليم إلهي.
وهذا خضوع وتواضع من قبل النبيّ موسى للخضر (عليه السلام) مع أنّه من أولي العزم ومن الأئمّة، حيث إنّ بعض الأنبياء من غير أولي العزم وصفوا بأنّهم أئمّة، فكيف بأولي العزم، مضافاً إلى أنّه كان حاكماً على بني إسرائيل، والحكومة من شؤون الإمامة لا من شؤون النبوّة، لكنّ الإمامة لها درجات مختلفة في الكمال والفضيلة الكونية كاختلاف النبوّة في الدرجات.
كما أنّ هذا التواضع ليس من باب الخلق الحسن، بل هو من باب ما يقتضيه حقيقة العلم الذي يمتلكه الخضر والذي امتاز به عن النبيّ موسى.
الواضح من هذه الآيات أنّ العلم الذي كان لدى الخضر هو من الشريعة الكونية والسنن الإلهية في نظام التكوين; وذلك لأنّه لو كانت من الظاهرة لعلم بها موسى، وإنّما سميت شريعة لأنّ فيها أوامر وإرادة إلهية كونية، وعدم تزويد موسى بها دليل على أنّها خاصّة بالبعض.
والعامّة لجمودهم وابتعادهم عن بيت الوحي والعصمة تراهم وقعوا في حيص وبيص في كيفية تصوير اختلاف العلم الذي لدى الخضر مع العلم الذي لدى نبيّ الله، وهل هو من سنخ النبوّة أم غير ذلك؟ وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يذعنوا بالإمامة والعلم اللدني ولم يعترفوا بمقام الولاية الذي يطّلع على المشيئة الإلهية والإرادات الإلهية، والذي يعرّف الشريعة بحسب السنن الإلهية التكوينية، وجمدوا على منصّة الشريعة الظاهرة.