الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٥٥
الفارق الثالث: إنّ تطبيق الشريعة الظاهرة يرتكز على العلم الحسّي وموازين هذه النشأة، نشأة الظاهر {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[١]، وتطبيق الشريعة بحسب السنّة الكونية الإلهية يرتكز على علم القضاء والقدر والمشيئة والإرادة وآثار الأفعال بحسب النشآت الأُخروية.
علماً بأنّ الكثير من الخلط والشبهات والجهالات نشأت نتيجة الخلط بين نحوين من مفادات القرآن والسنّة، حيث إنّ قسماً منها مفاده الأوّل، والآخر الثاني.
وواحدة من عوامل الانحراف في هذا المضمار: وزن الظاهر بموازين السنن الكونية أو العكس، فالخطابية والمغيرية حكّمت موازين السنن الإلهية الكونية على الظاهر، وقد مرّ أن إحدى التفسيرات لما ورد من أنّ صاحب الأمر المهدي (عج) يأتي بدين جديد أنّه سوف تقترن موازين الشريعة بحسب الدرجة الظاهرة بالسنّة الكونية، وهو ليس من باب النسخ، بل هو من باب تطبيق الشريعة الظاهرة بموازين الشريعة التكوينية[٢].
[١] سورة الروم ٣٠: ٧.
[٢] وقد يطرح السؤال: إنّه ما معنى أنّ سنخ الحكم في الشريعة والسنّة الإلهية الكونية تكويني؟
ويجاب: بمعنى أنّ أحكام الشريعة الإلهية الكونية عبارة عن الإرادات التكوينية الإلهية المتعلّقة مباشرة بفعل المكلّف، لا بفعل الحاكم وهو الآمر كما هو في الظاهرة.
ويُسائل: ولكن على هذا يلزم الجبر; لعدم إمكان تخلّف المراد عن الإرادة.
فيجاب: نعم لا يمكن تخلّف المراد عن الإرادة، ولكن من دون جبر; لأنّ المراد هو الفعل عن اختيار مع العلم أنه سيختار.. نظير متابعة القوى للعقل العملي فإنّها لا تكون مجبرة.
ويُسائل: لم كانت الإصابة غالبة في الظاهرة دون الكونية؟
فيجاب: لأنّ متعلّق الإرادة والإرادة في الشريعة الكونية جزئي فلا يتخلّف، وأمّا في الظاهرة فهو كلّي، والكلّيات عندما تتناسب يحصل بينها تزاحم، فلابدّ أنّ تتخلّف في الجملة، فتجد أنّ المقتضي لا يتحقّق مقتضاه كصلاة لا تنهى عن الفحشاء، بل قد تجد تحقّق العكس، كما في ترتّب مفسدة عظيمة على وجود شخص، إلاّ أنّه مع ذلك لا يجوز قتله، مع أنّ حرمة القتل لأجل حفظ الشخص والنوع.
والسؤال: هل يمكن تنظير الفرق بينهما بالفرق بين الحكم والفتوى، وبين القضية الخارجية والحقيقية، فإنّ الأولى يتكفّل تطبيقها الشارع فلا تخطئ عكس الثانية؟
والجواب: نعم.