الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٨٣
المعاني التي هي صور منعكسة متنزّلة عن تلك الحقائق، وأشعة ولمعات يسيره من وهج نور الحقيقة، كيف لا، وتلك الحقائق لا يشذّ عنها رطب ولا يابس ولا غائبة في السماوات والأرض، ولا ما كان ولا ما يكون وكلّ شيء مستطرّ، وتحيط بكلّ هدى ونور وكلّ فلاح وصلاح وكل سعادة ونجاح، وتبيان لكلّ شيء.
ففيما يبلّغه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) لا تقف الرعية بما فيها من الفقهاء والعلماء والحكماء والعارفين ـ إلاّ على الألفاظ المتنزّلة والمعاني الظاهرة، وقد يترقّى الحال في بعضهم للوصول إلى بعض درجات المعاني أو لمح بعض لمعان أنوار الحقائق، من دون التحقّق بعينية تلك الحقائق فضلاً عن اكتناهها، ولا الإحاطة بجميع مدارج المعاني.
من ثمّ تدوم وتظلّ حاجة الرعية والبشرية قائمة ومستمرّة إلى تواصل بيانات النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) وهدايتهم وتبليغهم، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}[١]، وقوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}[٢].
وكذلك يشير قول الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية إسحاق بن عمار، قال: "إنّما مثل عليّ (عليه السلام) ومثلنا من بعده من هذه الأُمّة كمثل موسى (عليه السلام) والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه الله لنبيه (صلى الله عليه وآله) في كتابه، وذلك أنّ الله قال لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[٣]، ثم قال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَْلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء}[٤]، وقد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح، وكان
[١] سورة آل عمران ٣: ٧.
[٢] سورة العنكبوت ٢٩: ٤٩.
[٣] سورة الأعراف ٧: ١٤٤.
[٤] سورة الأعراف ٧: ١٤٥.