الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٣٢٥
فمباشرة الله تعالى للتفاصيل السياسية في حاكمية التدبير لجزئيات الأُمور نصّ عليها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر}، إذ هذا الاختبار لأصحاب طالوت ليس باختياره، بل هو بأمر الله تعالى كما في غيرها من موارد أحكام الأنبياء، إلاّ أنّ سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) تلاحظ بشكل أكثف وأكبر تركيزاً على مستوى آيات القرآن الكريم.
وهنا تنبيه يجدر الإشارة إليه: وهو أنّ بعض المفسّرين لم يبلوروا ويميزوا بين التشريع والتنزيل، وبين مورد النزول ومورد التنزيل، إذ جعلوا مورد النزول والتنزيل مجرّد شاهد ومبيّن لمعنى التنزيل الكلّي أي التشريع العام لا أكثر من ذلك، وهذا بخس في حقيقة التنزيل.
فالمفسّرون فهموا أنّ التنزيل دوره تفسيري إيضاحي للآية دون أن يكون له دور آخر، في حين أنّ التنزيل هو نوع ممارسة فعلية لحاكمية الله تعالى السياسية في الجزئيات التفصيلية وسلطته السياسية، وهذا مفاده غير مفاد التشريع، وقد ذهب أهل سنّة الجماعة إلى هذه الشبهة التي تؤول إلى ما اعتقده اليهود من أنّ الله تعالى شرّع فقط ولم يمارس الحاكمية والسلطة السياسية التفصيلية في تدبير النظام السياسي الاجتماعي والحكم التنفيذي، وهو قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}[١]، فالتعطيل الذي تصوّرته اليهود في حقّه تعالى، قد انجرّ إلى بعضهم حتّى عطّلوا إرادته; إيهاماً منهم بأنّ الله تعالى لم يمارس ولايته إلاّ في حدود التشريع فقط، أي في السلطة التشريعية دون السلطة السياسية التنفيذية والقضائية.
في حين أنّ متابعة سريعة لآيات القرآن الكريم يجد من خلالها الباحث أنّ
[١] سورة المائدة ٥: ٦٤.