الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٥٩
نبيّاً ولا وصيّ نبيّ، كما لم يتمّ ذلك بتوسّط نبي زمانها، بل تمّ ذلك من دون وساطة رسول أصلاً، وكيف صدّقت بنبوّة نبيّ آت وبشريعته المقبلة، وكيف قامت ببدايات أعباء الرسالة قبل عيسى حتّى جعلها القرآن في درجة عيسى، كما يظهر من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ}، و {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ}، و {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ}، و {كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ..}[١]، الدالّة جميعاً على أنّ مريم كانت في مصاف الرسالة ومن أصول الدين، خاصّة مع الالتفات إلى أنّ المخاطب به مثل زكريا - على فرض حياته - ويحيى وأنبياء زمانها؟ لا جواب على هذا السؤال سوى أنّها معصومة مصطفاة، وأنّ لها مقاماً لا يقلّ عن مقام النبوّة.
ومع كلّ هذا، لا عجب أن تكون فاطمة (عليها السلام) (شافعة للأنبياء)، كما في الرواية المنقولة، كيف لا وهي من أهل آية التطهير الذين شهد القرآن أنّهم يمسّون الكتاب المكنون كلّه، ولديهم العلم بالكتاب المبين العلويّ كلّه، بينما لم ينعت القرآن الأنبياء أولي العزم فضلاً عن غيرهم بأنّهم يعلمون الكتاب كلّه، بل قال في حقّ موسى (عليه السلام) مثلاً: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَْلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء}[٢]، فما اُوحي لموسى هو (من كلّ شيء)، وفي حقّ عيسى (عليه السلام): {قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلاُِبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}[٣]، فكان ما جاء به بعض العلم، بينما وصف القرآن أنّه مهيمن على ما بين يديه من الكتب التي بعث بها الأنبياء السابقين، وأنّه تبياناً لكلّ شيء.
أو: "على معرفتها دارت القرون الأولى"، بل يمكن أن نسجّل جملة امتيازات
[١] سورة النساء ٤: ١٧١.
[٢] سورة الأعراف ٧: ١٤٥.
[٣] سورة الزخرف ٤٣: ٦٣.