الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٩٤
الثاني من القرن الأوّل وفي القرن الثاني والثالث الهجري، بينما فرق الصوفية متأخّرة زمناً عن فرق الغلاة، بل إنّ سلسلة مشايخ الصوفية جلّها تنتهي إلى غلاة الشيعة وجملة من هؤلاء الغلاة لا كلّهم ـ كانوا أصحاب سرّ في المعارف لدى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ـ غاية الأمر لم يحالفهم الحظ أن يبقوا على الاستقامة، كما حصل مع بلعم بن باعورا حيث آتاه الباري تعالى بعض حروف الاسم الأعظم: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا}[١].
فلم يكن خلاف الحكمة الإلهية إعطاءه الآيات من الاسم الأعظم مع علم الباري في الغابر أنّه لن يستقيم، ولكن الإعطاء الغيبي من الباري لبلعم بن باعورا حجّة عليه بعد استحقاقه في ظرف الاستقامة للعطية الغيبية الإلهية، وفي ذلك حكم أُخرى منه تعالى، مثل تنبيه البشر على أنّ من يتّق الله يجعل له فرقاناً، واتّقوا الله يعلمكم، أي تنبيههم على وجود علوم غيبية ليست في متناولهم.
وأنّ نشأة الغيب نشأة لا تنزف ولا تنفذ كما ورد في الحديث القدسي: "لأعطين الحكمة من زهد في الدنيا، فأمّا المؤمن فهي حجّة له، وأمّا الكافر فهي حجّة عليه"[٢].
هذا وغيره هو وجه الحكمة في تربية أهل البيت (عليهم السلام) بعض أصحاب السرّ أيام الاستقامة مع علمهم بما سيؤول حال أُولئك الأصحاب، هذا مع أنّ جملة كثيرة أُخرى من أصحاب السرّ بقوا على الاستقامة، كسلمان الفارسي وكميل بن زياد النخعي وميثم التمّار ورشيد الهجري وحبيب بن مظاهر وجابر بن يزيد الجعفي ويونس بن عبد الرحمن وذريح المحاربي، وغيرهم.
وعلى أي تقدير، فما عند الصوفية من سمن إذا فصل عن الغثّ، أو صواب
[١] سورة الأعراف ٧: ١٧٥.
[٢] لم يذكر مصدره.