الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٤٩
مُبيّنة على التفسير الثاني للبطون التأويلي الخفي لأنّ فيها إرشاداً إلى كيفية الاستفادة من الظهور القرآني، بخلافه على المعنى الأوّل; فإنّها لا تعدو التعبّد بمعنى الذي لا نعرف موازينه ولم نتعرّف عليها..
في حين أنّها على الفهم الثاني للبطون ستكون شرحاً وتفصيلاً للقرآن الذي هو بمثابة الدستور كما ذكر السيد البروجردي تبعاً لمنهج العلاّمة المجلسي في البحار.
وبهذا الفهم يتمّ القضاء على الشبهة الموجّهة للشيعة الإمامية بأنّها فرقة باطنية غنوصيّة لا تعلن عن أفكارها ومتبنياتها; إذ عرفت أنّ الشيعة لا تعتقد ولا تتبنّى فكرة إلاّ وهي ظاهرة مآلاً من القرآن والسنّة[١].
[١] على الفهم الأوّل للبطون يجاب عن شبهة الباطنية بالحديث الشريف: "من آمن بالظاهر دون الباطن فقد كفر، ومن آمن بالباطن دون الظاهر فقد كفر، ومن آمن بهما معاً فقد آمن".
وذلك لأنّ الإيمان بالباطن دون الظاهر يساوق عدم الالتزام بالشريعة الظاهرية وبواجباتها ومحرّماتها، بل وعقائدها، وهو واضح أنّه انحراف وكفر.. فتهمة الباطنية إنّما تشكّل وصمة، وتعبّر عن الانحراف إذا كان بالتنكّر للظاهر، أمّا مع الدمج بينهما فهو الإيمان، بل ورد في الحديث أنّ إنكار الباطن والاقتصار على الظاهر كفر. كيف، وهناك جملة من الآيات القرآنية دالّة على ذلك كقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم)، وقوله تعالى: (إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون)، وقوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، وقوله تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء)، وقوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ لظاهر القرآن تأويل وحقائق في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين لا يطّلع عليها إلاّ المطهّرون أهل آية التطهير، حيث الكتاب آيات بينات في صدورهم، والإيمان بظاهر الكتاب وإنكار تأويله في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين هو من باب: (أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، ونظير ذلك الحديث النبويّ: "ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، حيث يدلّ على أنّ فقه الدين وفهمه له مراتب ومدارج مترامية متلاحقة تمتدّ بامتداد ما للدين من عمق وغور خفية عن مرتبة الظاهر الأوّل، وقد أشبعنا البحث في ذلك في الفصول السابقة.
وكذا قوله: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي).