الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٤٧
على العقل البيّن، وكلّما أمكن تقليل الاعتماد على العقل النظري يكون أجدر وأصحّ.
وهذا لا يعني أنّه على التفسير الأوّل للباطن يتمّ التسليم بتهمة الباطنية أو عدم وجوب الإيمان به; لأنّه ليس من الظاهر; وذلك لأنّ الإيمان بالظاهر دون الباطن الذي هو الغيب والتأويل ـ كفر، والإيمان بالباطن دون الظاهر هو كفر أيضاً، بل يجب الإيمان بهما معاً. وعليه، فإنّ الذي يقع مورد الثواب والعقاب هو الشريعة الظاهرة ومدى العمل بواجباتها ومحرّماتها، وعدم الالتزام بها والالتفات إلى الباطن فقط زيغ. ومن الجهة الثانية أيضاً إن الاقتصار على الظاهر فقط يكون تركاً للتأويل الحقّ الذي هو الباطن الخفي، ويصبح من الشاذّ والنادر مع مرور الزمن، فلذا يجب الالتزام بهما معاً، والدمج بينهما.
ومن ثمّ تجد أنّ المعصوم (عليه السلام) في أخبار الطينة الغامضة يستنطقون فيها ألفاظ القرآن، وبالتأمّل نلحظ أنّ القرآن ظاهر في ذلك لنكات كانت خفية علينا، لا أنّه من باب الجري وذكر المصداق..
بل ظاهرة البطون أي المعاني الغامضة المعقّدة الخفية ـ ليست خاصّة بالمعارف الدينية، بل نجد ذلك في مثل علم الرياضيات، فإنّه في حين كونه بديهياً وتقلّ إن لم تنعدم - فيه الفرضيات، إلاّ أنّه ما زالت هناك مجهولات لم يوفّق لحلّها كبار العلماء مع قبولهم وجود الحلّ في داخل البديهيات الرياضية، سوى أنّهم لم يتمكّنوا من التفطّن لكيفية تنظيم المعادلات بحيث يتوصّل بها لحلّ المجهول[١]، وكذلك نجدها في مسابقات الأدب، فإن مهرة الأدب يخوضون في
[١] قد يقال: صرف استدلال الإمام بالقرآن واستخراجه من القرآن لا يكشف عن أنّ الباطن ظاهر، إلاّ أن يكون (عليه السلام) يلفت إلى نكات تجعل المعنى يظهر لنا من القرآن.
ويجاب: نعم، الإمام (عليه السلام) يلفت إلى نكات، ونحن ندّعي الموجبة الكلّية في ذلك.. ولكن ليس بالضرورة في كلّ رواية، وإنّما من مجموع ما ورد من روايات في المسألة الواحدة..
وقد يقال: ثمّ هل البطون ـ بعد حصره بالظاهر ـ هو التأويل أو أنّ التأويل أعمّ، فهناك ما يرتبط منه بالمصداق والوجود الخارجي الذي هو حقيقة القرآن ولوح تكوينه؟
ويجاب: نعم، البطن هو التأويل، وليس الثاني أعمّ، والبطن يشمل المصداق والحقيقة، ولكن لا يمنع أن يكون مدلولاً مطابقياً للّفظ بعد أن كان له مفهوم، فالبطن يبدأ من المفاهيم غير الظاهرة إلاّ للمعصوم ويستمرّ في تراميه إلى المصداق فالحقائق التكوينية بكلّ مراتبها، وكلّها مداليل مطابقية، وظاهرة من اللفظ لوجود ما يدلّ عليها، ولكنّه خفي علينا.. فاللّفظ له مراد استعمالي فتفهيمي فجدّي، هي متاحة لنا، ثمّ تبدأ المرادات الجدّية بالترامي، وكلّ منها يظهر من اللّفظ ـ لا أنّه لازم لسابقه كي يكون مدلولاً عقلياً لا لفظياً سوى أنّ الذهن العامّ لم يوفّق للعثور على تلك الدلالات بدون إرشاد المعصوم ووصايته وقيمومته على فهم القرآن.
وقد يقال: هل يعني أنّ اللوازم الفقهية ـ والتي برع فيها بعض فقهائنا كلّها ظواهر، كذا ما يكون حصيلة الجمع بين الأدلّة كالملكية الآنية؟
ويجاب: نعم.
أو يقال: هل يمكن القول بأن العلاّمة قد نهج نفس المنهج ـ أي التوسع وإن لم يخرج ذلك بما ذكرتم من تفسير البطن؟
فيجاب: نعم، بالإضافة إلى أنّه ـ كما ذكرنا في الأُصول اكتفى بالرجوع للرواية حدوثاً لا بقاءً، وهو ممّا لا نقبله; إذ مقتضى تأبيد المعية بين الثقلين هو المعية في الرجوع إليهما ابتداءً وانتهاءً.