الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٢٢
ونشأة الأرض وعالم المادّة الغليظة لابدّ أن يطوي هذه المراحل، فهذه السلسلة التكوينية من العوالم كما هو محرّر في مباحث الحكمة الإلهية لا يختصّ بزمان دون آخر، بل هو من السنن الإلهية في عوالم الخلقة، فمقتضاها الاستمرار من بدء الخلقة البشرية إلى يوم القيامة، فهذا الدليل العقلي يقضي باستمرار وجود من تتنزّل عليه ليلة القدر إلى يوم القيامة بعد سيد الأنبياء، وهذا المعنى هو الذي نشاهده بوضوح من دلالة النصّ والسور القرآنية العديدة كحقيقة قرآنية بيّنة، وكذلك في روايات الفريقين كما مرّت الإشارة إلى ذلك.
أمّا الآيات القرآنية الدالّة على الاستمرار، فمضافاً إلى الضرورة بين المسلمين على استمرار ليلة القدر، يقع الكلام في معرفة من تتنزّل ليلة القدر عليه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فهنا جانبان من البحث:
الأوّل: في استمرار ليلة القدر.
الثاني: على من تتنزّل ليلة القدر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
والآيات تفيد كلا الجانبين، كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}[١]، فالتعبير بتنزّل ـ جملة فعلية بالفعل المضارع الدالّة على الاستمرار، وكذا قوله في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}[٢]، بنفس التقريب المتقدّم، فإنّه قد وصف الليلة المباركة التي يتنزّل فيها بالجملة الفعلية بالفعل المضارع، وإنّ شأن هذه الليلة على الدوام أن يُفرق فيها كل أمر حكيم، وأن يُرسل فيها الروح إلى من يصطفيه الله من عباده في الأرض.
[١] سورة القدر ٩٧: ١ - ٤.
[٢] سورة الدخان ٤٤: ٤ - ٥.