سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٠ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
بجمع صفتي الفخامة و العذوبة و هما على الانفراد في نعوتهما، كالمتضادين، لأن العذوبة تتابع السهولة، و الجزالة و المتانة يعالجان نوعا من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن، ليكون آية بينة لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لأمور.
منها: أنّ علمه لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، و أوضاعها التي هي ظروف المعاني و لا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ و لا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها و ارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، و إنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة، لفظ حاصل و معنى به قائم و رباط لهما ناظم، و إذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف و الفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح و لا أجزل و لا أعذب من ألفاظه، و لا ترى نظما أحسن تأليفا، و أشد تلاؤما، و تشاكلا من نظمه، و أما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه و التّرقي إلى أعلى درجاته، و قد توجد هذه الفضائل الثلاثة، على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أنّ القرآن إنّما صار معجزا، لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التآليف مضمنا أصحّ المعاني، من توحيد اللّه تعالى، و تنزيهه له في صفاته، و دعاء إلى طاعته و بيان لطريق عبادته، في تحليل و تحريم و حظر و إباحة، و من وعظ و تقويم و أمر بالمعروف، و نهي عن منكر و إرشاد إلى محاسن الأخلاق، و زجر عن مساويها، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيئا أولى منه، و لا يتوهّم في صورة العقل أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية و ما نزل منه مثلات اللّه تعالى بمن مضى و عاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجّة و المحتجّ له، و الدليل و المدلول عليه، ليكون ذلك أكبر للزوم ما دعا عليه و إنباء عن وجوب ما أمر به، و نهى عنه، و معلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور و الجمع بين أشتاتها حتّى تنتظم و تتسق أمر تعجز عنه قوى البشر و لا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه، و عجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرّة إنه شعر لمّا رأوه منظوما، و مرّة إنّه سحر لمّا رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، و قد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، و فزعا في النفوس يريبهم و يحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، و لذلك قالوا إنّ له لحلاوة و إنّ عليه لطلاوة، و كانوا مرّة بجهلهم، يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا [الفرقان: ٥] مع علمهم أنّ صاحبهم أمّيّ و ليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك، من الأمور التي أوجبها العناد و الجهل و العجز، ثم قال: و قد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس، و هو صنيعه في