سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٦ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
[القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين، و نهيين، و خبرين و بشارتين، و الآثار في هذا النوع كثيرة.
و قال القاضي- (رحمه اللّه تعالى)-: و حقا، إن العرب قد خصّوا من البلاغة و الحكم بما لم يخصّ به غيرهم من الأمم و أتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، و من فصل الخطاب ما يقيد الألباب عن أن تلهج بتراكيب صناعتهم و تبهيج أساليب صياغتهم أفانين الكلام، فجعل اللّه- تعالى- ذلك لهم طبعا و خلقة و فيهم غريزة و قوة يأتون منه على البديهة بالعجب، و يدلون به إلى كلّ سبب، فيخطبون بديهة في المقامات شديد الخطب، و يرتجزون به بين الطّعن و الضّرب، و يمدحون و يقدحون، و يتوسّلون به إلى ما يرومونه من نجاح مآربهم، و يتوصّلون به إلى الفوز بمطالبهم، و يرفعون و يضعون من أرادوا، فيأتون من ذلك بالسّحر الحلال الّذي انسجم لفظه، و لطف معناه في مواسمهم و مقاصدهم، و يطوّقون من أوصافهم الحميدة و سماتهم الحميدة ما رأوه أهلا من أوصافهم أجمل سمط اللآل، فيخدعون الألباب، و يذلّلون الصّعاب، و يذهبون الأحن، و يهجون الرتن و يجرّئون الجبان، و يبسطون الجعد البنان، و يصيرون الناقص كاملا، و يتركون النّبيه خاملا، منهم البدويّ ذو اللّفظ الجزل، و القول الفصل و الكلام الفخم، و الطبع الجوهريّ و المنزع القويّ، و منهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، و الألفاظ التابعة، و الكلمات الجامعة، و الطبع السهل، و التصرف في القول، القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، و كلا البابين لهما في البلاغة الحجّة البالغة، و القوة الدامغة، و القدح الفالج، و المهيع الناهج، لا يشكون أنّ الكلام طوع مرادهم، و البلاغة ملك قيادهم، يتصرفون في معاني أفانين الكلام، فيقلدون بجوز الأذهان روائع طرائفه، و يسترقون الأسماع ببدائع عوارفه، و قد حووا فنونها، و استنبطوا عيونها، و دخلوا من كل باب من أبوابها، و علوا صرحا لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير و المهين، و تفننوا في الغث و السمين و تفاولوا في القلّ و الكثير و تساجلوا في النظم و النثر، فما راعهم إلا رسول كريم منهم، بكتاب عزيز بلسانهم، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته و فصّلت كلماته، و بهرت بلاغته العقول، و ظهرت فصاحته على كلّ مقول، و تظاهر إيجازه، و إعجازه، و تظاهرت حقيقته و مجازه، و تبارت في الحسن مطالعه، و مقاطعه، و حوت كلّ البيان جوامعه، و بدائعه و اعتدل مع إيجازه، حسن نظمه، و انطبق على كثرة فوائده، مختار لفظه أزلا للّه تعالى، فارقا لعلومهم الأربعة، من الفصاحة و الإيجاز و البلاغة الخارجة عن نوع كلامهم، و من النّظم الغريب، و الأسلوب العجيب، الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقته، و لا علموا في أساليب الكلام و الأوزان مثلا، و من الإخبار عن الكوائن و الحوادث و الأسرار و المجنات و الضمائر، فيوجد على ما كانت عليه و يعترف المخبر عنها نصحه ذلك و صدقه، و إن كان أعدى العدو