سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٨ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
و ما قدروا على أن يأتوا بمقدار سورة توازيه و تدانيه، مع علمهم في مضادّته و مضارعته.
فصل: لما أثبت كون القرآن معجزة لنبّينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز، و قد خاض النّاس في ذلك كثيرا بين محسن و مسيء فزعم قوم أنّ التحدّي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذّات و أنّ العرب كلّفت في ذلك ما لا يطاق، و به وقع عجزها و هو مردود، لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصوّر التحدي به و الصّواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدّالّ على القديم الذي يوصف به الذّات، و أنّ العرب كلّفت في ذلك مالا يطاق، و هو الألفاظ، ثم زعم النظّام من «المعتزلة» أنّ إعجازه بالصّرفة أي أن اللّه تعالى صرف العرب عن معارضته و سلب عقولهم، و كان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات، و هذا قول فاسد، بدليل قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُ [الإسراء/ ٨٨] الآية، فإنه على عجزهم مع بقاء قدرتهم، و لو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم لمنزلة منزلة اجتماع الموتى، و ليس عجز الموتى ممّا يحتفل بذكره، هذا مع أنّ الإجماع منعقد على أنّ الإضافة للإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا، و ليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو اللّه تعالى، حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله، و أيضا فيلزم من القول بالصّرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التّحدّي و خلوّ القرآن من الإعجاز، و في ذلك خرق إجماع الأمة، فإن معجزة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) العظمى باقية و لا معجزة له باقية سوى القرآن، قال قاضي أهل الحقّ أبو بكر الباقلّاني: و ممّا يبطل القول بالصّرفة أنّه لو كانت المعارضة ممكنة، و إنما منع عنها الصّرف لم يكن الكلام معجزا، و إنّما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمّن الكلام فضيلة على غيره في نفسه قال: و ليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أنّ الكلّ قادرون على الإتيان بمثله، و إنّما تأخّروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيبه، و لو تعلّموه لوصلوا إليه به، و لا أعجب من قول آخرين أنّ العجز وقع منهم، و أما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله، و كلّ هذا لا يعتدّ به، و من الأول قول القاضي أبي بكر: وجه إعجازه ما فيه من النّظم و التأليف و التّرصيف و أنه خارج عن جميع وجوه النّظم المعتاد في كلام العرب، و مباين لأساليب خطاباتهم، قال: و لهذا لم يمكنهم معارضته.
قال: و لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشّعر، لأنّه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم و التّدريب و التّصنّع به، كقول الشّعر و رصف الخطب، و صناعة الرسالة، و الحذق في البلاغة، و له طريق تسلك، فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذي عليه، و لا إمام يقتدى به، و لا يصح وقوع مثله اتّفاقا، و نحن نعتقد أنّ الإعجاز في بعض القرآن أظهر، و في بعض أدقّ و أغمض.
و قال الإمام الرّازيّ: وجه الإعجاز الفصاحة، و غرابة الأسلوب، و السلامة من جميع العيوب.