سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٥ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
بالأفصح؟، و أجاب عنه الصّدر موهوب الجزريّ بما حاصله أنّه لو جاء القرآن على ذلك لكان على غير النّمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح و الفصيح، فلا تتم الحجّة في الإعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد، ليتمّ ظهور العجز عن معارضته، و لا يقولوا مثلا أتيت بما لا قدرة لنا عليه أو على جنسه كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري، لأنّه يقول له: إنّما تتمّ لك الغلبة، لو كنت قادرا على النّظر، و كان نظرك أقوى من نظري، فأمّا إذا فقد أصل النّظر، فكيف يصح من المعارضة و اللّه أعلم.
الرابعة: قيل: الحكمة من تنزيه القرآن عن الشّعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أنّ القرآن منبع الحقّ و مجمع الصدق، و قصارى أمر الشاعر التخييل، بتصوير الباطل في صورة الحقّ و الإفراط في الإطراء و المبالغة في الذّمّ و الإيذاء دون إظهار الحقّ و إثبات الصدق، و لهذا نزه اللّه- سبحانه و تعالى- نبيّه عنه، و لأجل شهرة الشّعر بالكذبة سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان و الكذب شعريّة.
و قال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللّهجة مغلقا في شعره، و أما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون، فالجواب عنه أن ذلك لا يسمّى شعرا، لأنّ شرط الشّعر القصد، و لو كان شعرا لكان كل من اتّفق في كلامه شيء موزون شاعرا، و لكان الناس كلّهم شعراء، لأنه قلّ أن يخلو كلام أحد عن ذلك، و قد ورد ذلك على الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته و الطعن عليه، لأنّهم كانوا أحرص شيء على ذلك، و إنّما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام. و قيل: البيت الواحد و ما كان على وزنه لا يسمّى شعرا، و أقلّ الشّعر بيتان فصاعدا.
و قيل: الرّجز لأنه لا يسمى شعرا أصلا، و قيل: أقل ما يكون من الرّجز شعرا أربعة أبيات، و ليس ذلك في القرآن بحال.
الخامسة: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجنّ، لأنهم ليسوا من أهل اللّسان العربيّ الذي جاء القرآن على أساليبه و إنّما ذكروا في قوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُ [الاسراء: ٨٨] تعظيما لإعجازه، لأنّ للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع الثّقلين فيه، و ظاهر بعضهم بعضا و عجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز.
و قال غيره: بل وقع للجن و الملائكة منويون في الآية، لأنّهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل هذا القرآن.