سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٦ - الثالث في قبوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عذر من اعتذر إليه
الباب الحادي عشر في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في العذر و الاعتذار
و فيه أنواع:
الأول: في تحذيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عدم قبول العذر.
روى ابن ماجة عن جوذان قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من اعتذر إلى أخيه بمعذرة، فلم يقبلها، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس».
و الثاني: في اعتذاره (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى بعض أصحابه- رضي اللَّه تعالى عنهم-.
و روى الشيخان عن جابر- رضي اللَّه تعالى عنه- أنّه سلّم على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يصلي فلم يرد عليه فلما انصرف، قال: إنّه لم يمنعني أن أرّد عليك إلا أني كنت أصلّي.
الثالث: في قبوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عذر من اعتذر إليه.
[روى مسلم عن عبد الرّحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أنّ عبد اللَّه بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي. قال: سمعت بن مالك يحدّث حديثه حين تخلّف عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلّف عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة غزاها قطّ. إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر. و لم يعاتب أحدا تخلّف عنه. إنّما خرج رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون يريدون عير قريش. حتّى جمع اللَّه بينهم و بين عدوّهم، على غير ميعاد. و لقد شهدت مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة العقبة. حين تواثقنا على الإسلام. و ما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر. و إن كانت بدر أذكر في النّاس منها. و كان من خبري، حين تخلّفت عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، في غزوة تبوك، أنّي لم أكن قطّ أقوى و لا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة. و اللَّه! ما جمعت قبلها راحلتين قطّ. حتّى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حرّ شديد. و استقبل سفرا بعيدا و مفازا. و استقبل عدوّا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجههم الذي يريد. و المسلمون مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كثير. و لا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الدّيوان. قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب، يظنّ أنّ ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من اللَّه عزّ و جلّ. و غزا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تلك الغزوة حين طابت الثّمار و الظّلال. فأنا إليها أصعر. فتجهّز رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون معه. و طفقت أغدو لكي أتجهّز معهم. فأرجع و لم أقض شيئا.
و أقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ. فأصبح رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غاديا و المسلمون معه. و لم أقض من جهازي شيئا. ثمّ غدوت