سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٤ - الباب الثاني في تكثيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) ماء الميضاة و القدح
الباب الثاني في تكثيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) ماء الميضاة و القدح
روى الإمام أحمد و الشيخان و أبو محمد بن جرير الطبريّ (عن أبي قتادة و البيهقي عن أنس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في سفر، فقال لأبي قتادة: «أ معكم ماء؟» قلت:
نعم، في ميضاة فيها شيء من ماء، قال: «ائت بها» قال: فأتيته بها فقال لأصحابه: «تعالوا مسّوا منها فتوضئوا»، و جعل يصبّ عليهم، فتوضأ القوم، و بقيت جرعة، فقال: «يا أبا قتادة، احفظها، فإنها ستكون لها نبأ» فذكر الحديث إلى أن قال: فقالوا: يا رسول اللّه، هلكنا عطشنا، انقطعت الأعناق، فقال: «لا هلك عليكم» ثم قال: «يا أبا قتادة، ائت بالميضاة» فأتيته بها، فقال:
«أطلقوا لي غمري»- يعني قدحي- فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه و يسقي الناس، فازدحم الناس، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أيها الناس [١] أحسنوا الملأ، فكلكم سيروى»، فشرب القوم، و سقوا دوابّهم و ركابهم و ملئوا ما كان معهم من إداوة و قربة و مزادة حتى لم يبق غيري و غيره، قال: «اشرب يا أبا قتادة»، قلت: اشرب أنت يا رسول اللّه، قال: «ساقي القوم آخرهم شربا» فشربت، و شرب بعدي، و بقي في الميضاة نحو مما كان فيها و هم يومئذ ثلاثمائة [٢].
قصة أخرى.
روي عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه قال: غزونا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هوازن فأصابنا جهد شديد فأتى بشيء من ماء في إداوة، فأمر بها فصبّت في قدح، فجعلنا نتطهّر حتى تطهرنا جميعا، و في لفظ: فأفرغها في قدح فتوضأنا كلّنا ندغفقه دغفقة و كنا أربع عشرة مائة [٣].
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
الميضاة: بكسر الميم و القصر و قد تمد وزنها مفعلة و مفعال و ميمها زائدة: مطهرة كبيرة.
الجرعة: بجيم مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة: الاسم من الشرب اليسير و بفتح الجيم المرة الواحدة منه.
غمري: بضم الغين المعجمة أي احلل لي قدحي.
[١] سقط في ب.
[٢] مسلم ١/ ٤٧٢ (٣١١/ ٦٨١) و أبو داود في الأدب باب (١٣٠) و النسائي ١/ ٧٦ و أحمد ١/ ٣٩٨ و الدارمي ١/ ٣٥٨.
[٣] الدلائل للبيهقي (٤/ ١١٩).