سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٧ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
إذا أبطل الكهانة الذي تصدق مرة و تكذب عشرا، ثم ليجتثّها من أصلها برجم الشّهب و رسل النجوم، و جاء من القرآن من الأخبار عن القرون السّالفة، عن الأنبياء و الأمم البائدة من الحوادث الماضية ما ينجز من تفرّغ لهذا العلم عن بعضه، و هم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، و أشهر في الخطابة رجالا، و أكثر في السجع و الشعر سجالا، و أوسع في اللّغة و الغريب مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون، و منازعهم التي عنها يناضلون صارخين بها في كل حين و مقرعا لهم بضعا و عشرين عاما على رءوس أشرافهم و رؤسائهم أجمعين، فتحدّاهم أوّلا بكلّ القرآن، ثم تحدّاهم بعشر سور، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ [يونس: ٣٨] أي بل يقولون اختلقه، و الهمزة إشارة لقولهم، أو تقرير لإلزام الحجّة عليهم، و هما متقاربان، لأنّ مآلهما واحد و هو إبطال قولهم و تثبيت التقرير بما يؤذن به قل على سبيل التهكم عليهم، و التقريع لهم، و المناداة على كمال عجزهم، و إلزام الحجّة عليهم، إن كان الأمر كما زعمتم على وجه الافتراء بعشر سور مثله في البيان و حسن النظم مفتريات مختلفات من عند أنفسكم، «و ادعوا من استطعتم من دون اللّه» أي استعينوا بغير اللّه ممّن يمكن استعانتكم به على الإتيان بذلك، لأنّه تعالى هو القادر عليه وحده «إن كنتم صادقين» في أنّه افتراه، فعجزوا عن ذلك فتحدّاهم بسورة واحدة منها، كما قرّ عليهم، فقال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة/ ٢٣] أي مماثلة للقرآن في البلاغة و حسن النّظم وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة/ ٢٣] أي استظهروا لمعارضته من حضركم، أو ارجوا معونة غير اللّه تعالى، فإنّه هو القادر عليه إن كنتم صادقين في أنّنا لم ننزله عليه، فلمّا عجزوا عن معارضته و الإتيان بسورة تشهد عليهم بإظهار العجز و إعجاز القرآن، و كانوا أحرص شيء على إخفاء نوره، فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجّة، فلم يزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقرعهم أشد التقريع، و يوبّخهم غاية التوبيخ، و يسفه أحلامهم، و يحطّ أعلامهم، و يشتت نظامهم، و يذم آلهتهم، و يستبيح أرضهم، و ديارهم، و أموالهم، و هم في كلّ هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب، و التكذيب، و الإغراء بالافتراء، كقولهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر/ ٢٤] و سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر/ ٢] و إِفْكٌ افْتَراهُ [الفرقان/ ٤] و أساطير الأوّلين و المباهتة، و الرضا بالدنية كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [البقرة/ ٨٨] فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت/ ٥]، لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه بخرافات و سواقط الكلم رافعين أصواتهم بها، تشويشا على قارئه، و الادّعاء مع العجز بقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال/ ٣١] وقاحة و فرحا و عنادا و إلا فما منعكم لو ساعدتهم الاستطاعة إن شاءوا ذلك أن تحدّاهم و قرعهم بالعجز ليفوزوا للغلبة فرحا بأنفسهم و استنكافهم أن يغلبوا فيها في باب البيان و قد قال تعالى وَ لَنْ تَفْعَلُوا [البقرة/ ٢٤] فما فعلوا،