سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٩ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
و قال الزّملكانيّ: وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاصّ به، لا مطلق التّأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة و علت مركباته معنى بأن يوقّع كلّ فنّ في مرتبته العليا في اللفظ و المعنى.
و قال حازم في «منهاج البلغاء»: وجه الإعجاز في القرآن، من حيث استمرت الفصاحة و البلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، و لا يقدر عليه أحد من البشر، و كلام العرب و من تكلّم بلغتهم لا تستمرّ الفصاحة و البلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلّا في الشّيء اليسير المعدود ثمّ تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام و رونقه، فلا تستمرّ لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريقه و أجزاء منه.
و قال ابن عطيّة الصحيح و الّذي عليه الجمهور و الحذّاق في وجه إعجازه، أنّه و صحّة معانيه و توالي فصاحة ألفاظه، و ذلك بأنّه- عزّ و جلّ- أحاط بالكلام كلّه علما، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى و تبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره، و البشر يعمّهم الجهل و النّسيان و الذّهول، و معلوم ضرورة أنّ أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القران في الغاية القصوى من الفصاحة، و بهذا يبطل قول من قال: إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، و الصّحيح أنّه لم يكن في قدرة أحد قطّ، و لهذا ترى البليغ ينقّح القصيدة أو الخطبة حولا ثمّ ينظر فيها فيغيّر فيها، و هلمّ جرّا، و كتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، و نحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره و يخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذّوق وجودة القريحة، و قامت الحجّة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة و مظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة، و في معجزة عيسى بالأطبّاء، فإنّ اللّه- عز و جل- إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشّهير أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدّة موسى إلى غايته، و كذلك الطّبّ في زمن عيسى، و الفصاحة في زمن محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و قال الخطّابيّ: ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أنّ وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها، و صغوا فيه إلى حكم الذوق، قال: و التحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، و مراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، و منها الفصيح الغريب السّهل، و منها الجائز الطلق الرّسل، و هذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، فالأول أعلاها، و الثاني أوسطها، و الثالث أدناها و أقربها، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصّة، و أخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام،