سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩٦ - الباب الثاني في انقياد الشجر له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب الثاني في انقياد الشجر له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
روى مسلم و أبو نعيم و البيهقيّ عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنه قال: سرنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إذا نزلنا واديا أفيح فذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء، فنظر فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: «انقادي علي بإذن اللّه»، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى إلى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، و قال:
«انقادي عليّ بإذن اللّه تعالى»، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما: فقال: «التئما عليّ بإذن اللّه»، فالتأمتا،
قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقربي فيبتعد و قال محمد ابن عباد فيتبعد فجلست أحدّث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقبلا، و إذا الشجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وقف وقفة، فقال برأسه هكذا يمينا و شمالا [١].
قصة أخرى.
روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: كنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة خيبر فأراد أن يتبرّز، فقال: «يا عبد الله، انظر هل ترى شيئا»، فنظرت فإذا شجرة واحدة، فأخبرته، فقال: «انظر هل ترى شيئا؟» فنظرت شجرة أخرى متباعدة عن صاحبتها فأخبرته، فقال: «قل لهما: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأمركما أن تجتمعا»، فقلت لهما، فاجتمعتا ثم أتاهما فاستتر بهما ثم قام فانطلقت كلّ واحدة منهما إلى مكانها. رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا
[٢].
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد و ابن سعد و ابن أبي شيبة برجال ثقات و الحاكم و صححه عن يعلى بن مرّة رضي اللّه عنه قال: كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر فنزل منزلا فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (يعني نخلتين) فقل لهما: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأمركما أن تجتمعا»، فأتيتهما، فقلت لهما ذلك، فوثبت إحداهما إلى الأخرى، فاجتمعتا، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستتر بهما فقضى حاجته ثم و ثبت كل واحدة منهما إلى مكانها [٣].
[١] أخرجه مسلم ٤/ ٢٣٠٦ (٧٤/ ٣٠١٢) و البيهقي في السنن ١/ ٩٤ و في الدلائل ٦/ ٨ و أبو نعيم في الدلائل (١٣٩) و ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٢٢.
[٢] البداية و النهاية ٦/ ١٥٩.
[٣] أخرجه أحمد ٤/ ١٧٢ و ابن ماجة (٣٣٩) و ابن سعد ١/ ١/ ١١٢ و انظر المجمع ٩/ ٦.