سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٠ - تنبيهات
تعالى أن يغسل قلبه فيما حمل من الجنة في طست ملئ حكمة و إيمانا ليعرف قلبه طيب الجنّة و يجد حلاوتها فيكون في الدنيا أزهد و على دعوة الخلق إلى الجنة أحرص، و لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان له أعداء يتقوّلون عليه فأراد اللَّه تعالى أن ينفي عنه طبع البشرية من ضيق الصدر و سوء مقالات الأعداء، فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة و يفارقه الضيق. كما قال تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر ٩٧]. فغسل قلبه غير مرّة فصار بحيث إذا ضرب أو شجّ رأسه أو كسرت رباعيته كما في يوم أحد
يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
السادس عشر: جاء في رواية: أن المغسول البطن. فقيل: المراد بالبطن هنا ما بطن و هو القلب، و استظهره بعضهم لأنه جاء في رواية ذكر القلب و لم يذكر البطن. و يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، و يقع الجمع بينهما بأن يقال: أخبر (صلّى اللّه عليه و سلم) مرة بغسل البطن و لم يتعرض لذكر القلب، و أخبر مرة بذكر القلب و لم يتعرض لذكر البطن، فيكون قد حصل فيهما معا مبالغة في تنظيف المحلّ.
قلت: تقدم التصريح بذلك في الأحاديث السابقة.
السابع عشر: قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): فإن قيل كيف يكون الإيمان و الحكمة في طست من ذهب، و الإيمان عرض من الأعراض لا يوصف بها إلا محلّها و الذي يقوم به، و لا يجوز فيها الانتقال لأن الانتقال من صفة الأجسام لا من صفة الأعراض؟ قلنا: إنما عبّر عما في الطست- بالحكمة و الإيمان كما عبّر عن اللّبن الذي شربه و أعطى فضله عمر بن الخطاب بالعلم، فكان تأويل ما أفرغ في قلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) إيمانا و حكمة و لعل الذي كان في الطست كان ثلجا و بردا كما ذكر في الحديث الأول، فعبّر في المرة الثانية بما يؤول إليه و عبّر عنه في المرة الأولى بصورته التي رآها، لأنه في المرة الأولى كان طفلا فلما رأى الثلج في طست الذهب اعتقده ثلجا حتى عرف تأويله بعد. و في المرة الأخرى كان نبيّا فلما رأى طست الذهب مملوءا ثلجا علم التأويل لحينه و اعتقده في ذلك المقام حكمة و إيمانا، فكان لفظه في الحديثين [١] على حسب اعتقاده في المقامين. انتهى.
و قال النووي و الحافظ: المعنى جعل في الطست شيء يحصل به الزيادة في كمال الإيمان و كمال الحكمة، و هذا المملوء يحتمل أن يكون على الحقيقة، و تجسّد المعاني جائز كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها الظّلّة و الموت في صورة كبش و كذلك وزن الأعمال، و غير ذلك من أحوال الغيب.
[١] في أ: الحديث.