سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - فصل في الكلام على أحاديث النهي عن استغفار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبويه
النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مع كونها متحنّفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار إذ ذاك بسببها إلى أن أذن اللَّه تعالى فيه بعد ذلك.
و يحتمل أن يجاب عن الحديثين بأنها كانت موحّدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث و النّشور و ذلك أصل كبير، فأحياها اللَّه تعالى له حتى آمنت بالبعث و بجميع ما في شريعته و لذلك تأخر إحياؤها إلى حجة الوداع حتى تمت الشريعة و نزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة ٣] فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل و هذا معنى نفيس بليغ. و بسط الشيخ (رحمه اللّه تعالى) الكلام على ذلك في كتابيه «الدّرر الكامنة في إسلام السيدة آمنة» و في «مسالك الحنفا في والدي المصطفى» و الذي ذكرته خلاصتهما و فيه مناقشات ليس المقام لائقا لذكرها.
و تقدم في ترجمة عبد الله والد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ما فيه مقنع.
و قد وقعت على فتوى بخط بعض علماء المغاربة بسط فيها الكلام على هذا المقام و رجّح ما مشى عليه الشيخ، و من جملة ما ذكره: أن المتكلم في هذا المقام على ثلاثة أقسام:
قسم يوجب تكفير قائله و زندقته و ليس فيه إلا القتل دون تلعثم، و هو حيث يتكلم بمثل هذا الكلام المؤذي في أبويه (صلّى اللّه عليه و سلم) قاصدا لأذيّته و تعييره و الإزراء به و التجسّر على جهته العزيزة بما يصادم تعظيمه و توقيره.
و قسم ليس على المتكلم به وصم و هو حيث يدعوه داع ضروري إلى الكلام به، كما إذا تكلم على الحديث مفسّرا له و مقرّرا، و نحو ذلك مما يدعو إلى الكلام به من الدواعي الشرعية.
و قسم يحرم علينا التكلم فيه و لا يبلغ بالتكلم به إلى القتل، و هو حيث لا يدعوه داع شرعي إلى الكلام به فهذا يؤدّب على حسب حاله و يشدّد في أدبه إن علم منه الجرأة و عدم التحفظ في اللسان، و يعزل عن الوظائف الشرعية. و استدل بعزل عمر بن عبد العزيز عامله.
و سبق ذلك في ترجمة عبد الله والد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
ثم قال: و لا ينبغي لعاقل إنكار ذلك. أي حديث إحياء أبويه (صلّى اللّه عليه و سلم)- فكرامته (صلّى اللّه عليه و سلم) على مولاه أعظم من ذلك، و لا يتشاغل في هذا المقام بكونه صحيحا، فقد قال العلماء: أحاديث الترغيب و الترهيب لا يشترط فيها الصحة، فما بالك بهذا المقام؟ و لا مانع من صحته إن شاء اللَّه تعالى و ذلك هو الذي يغلب على ظن كل محب للجناب الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم).