سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٦ - الباب السادس عشر في الهجرة الأولى إلى الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين و كانت في شهر رجب سنة خمس من المبعث
من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش و عن حالهم فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم رجع فعاد لشتم آلهتهم و عادوا له بالشرّ فتركناهم على ذلك.
فائتمر القوم بالرجوع إلى الحبشة ثم قالوا: قد بلغنا ندخل فنظر ما فيه قريش و يحدث عهدا من أراد بأهله ثم يرجع.
و لم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة و كانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان و رمضان، و كانت السجدة في رمضان و قدموا في شوال من السنة المذكورة.
[ ()] ابن أبي هند عن أبي العالية، و قد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، و هو إطلاق مردود عليه. و كذا قول عياض هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة و لا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته و اضطراب رواياته و انقطاع إسناده، و كذا قوله: و من حملت عنه هذه القصة من التابعين و المفسرين لم يسندها أحد منهم و لا رفعها إلى صاحب، و أكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال و قد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، و أما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: و لم ينقل ذلك انتهى، و جميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت و تباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، و قد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح و هي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل و كذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، و إذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر و هو قوله «ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى» فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، و كذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به في التوحيد لمكان عصمته. و قد سلك العلماء في ذلك ما سلك، فقيل جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة و هو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم اللَّه آياته. و هذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورد عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و لا ولاية للشيطان عليه في النوم، و قيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ الآية قال: فلو كان للشيطان قوة على لما بقي لأحد قوة في طاعة. و قيل: إن المشركين إذا ذكروا آلهتهم و صفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا. و قد رد ذلك عياض فأجاد.
و قيل لعله توبيخا للكفار، قال عياض: و هذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، و لا سيما و قد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا. و إلى هذا نحا الباقلاني. و قيل إنه لما وصل إلى قوله وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك فخلطوه في تلاوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على عادتهم في قولهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ و نسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. و قيل: المراد بالغرانيق العلى الملائكة و كان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللَّه و يعبدونها، فسيق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع و قالوا: قد عظم آلهتنا، و رضوا بذلك، فنسخ اللَّه تلك الكلمتين و أحكم آياته. و قيل: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات و نطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله و أشاعها. قال: و هذا أحسن الوجوه. و يؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تَمَنَّى بتلا. و كذا استحسن ابن العربي هذا التأويل و قال قبله إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مما نسب إليه. قال: و معنى قوله فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قاله قال: و قد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره و سعة علمه و شدة ساعده في النظر فصوب على هذا المعنى و حوم عليه.