سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٤ - الباب الثامن في كيفية بدء الوحي إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
فقال ورقة: سبّوح سبوح! و ما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان، جبريل أمين اللَّه تعالى على وحيه بينه و بين رسله، لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني. فخرج ذات ليلة فسمع: السلام عليكم قال فظنها فجأة الجن، فجاء مسرعا حتى دخل على خديجة فقالت: ما شأنك فأخبرها، فقالت: أبشر فإن السلام خير. فخرج مرة أخرى إلى حراء. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول اللَّه و أنا جبريل. فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء فرفعت أنظر إليه فما أتقدم و ما أتأخر و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي و ما أتأخر ورائي حتى بعثت خديحة رسلها في طلبي فبلغوا مكة و رجعوا إليها و أنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة و رجعوا إليّ. ثم حدّثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا بن عم و اثبت، فوالذي نفسي بيده إني أرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة فأخبرته بما أخبرها به فقال ورقة: قدّوس قدوس! و الذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، و إنه لنبيّ هذه الأمة، فقولي له فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جواره و انصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف فلقيه ورقة فقال له: يا بن أخي أخبرني بما رأيت و سمعت. فأخبره فقال له ورقة: و الذي نفسي بيده إنك لنبيّ هذه الأمة و لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى و لتكذّبنه و لتقاتلنّه و لتؤذينه، و لئن أدركت ذلك لأنصرنَّ اللَّه نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبّل يافوخه [١].
و قالت خديجة لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا بن عم أ تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي نفسي بيده إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت: قم يا بن عمي فاجلس على فخذي اليسرى. فقام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحوّل فاقعد على فخذي اليمنى فتحوّل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجلس على فخذها اليمنى فقالت: هل تراه؟ قال نعم. فحسرت فألقت خمارها و رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال:
لا. قالت يا بن عم اثبت و أبشر فواللَّه إنه لملك ما هذا شيطان.
[١] أخرجه البخاري ١/ ٣٠ (٣).