سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - تنبيهات
الباب الثاني عشر في رعيته (صلّى اللّه عليه و سلم) الغنم
عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما بعث اللَّه نبيّا إلا راعي غنم». فقال له أصحابه: و أنت يا رسول اللَّه؟ قال: «و أنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط [١]».
رواه ابن سعد و البخاري و ابن ماجة.
و عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نجني الكباث، فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم. قلنا:
و كنت ترعى الغنم يا رسول اللَّه؟ قال: نعم. و ما من نبي إلا و قد رعاها [٢].
رواه الإمام أحمد و ابن سعد و الشيخان.
و روى أبو داود الطيالسي و البغوي و ابن مندة و أبو نعيم و ابن عساكر عن بشر بن حرب البصري مرسلا، و الإمام أحمد و عبد بن حميد عن أبي سعيد رضي اللَّه عنه قالا: افتخر أهل الإبل و الشاء، فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بعث موسى و هو راعي غنم و بعث داود و هو راعي غنم، و بعثت و أنا راعي غنم لأهلي بأجياد
[٣]».
تنبيهات
الأول: قال العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم: الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما سيكلّفونه من القيام بأمر أمتهم، و لأن في مخالطتها ما يحصّل الحلم و الشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها و جمعها بعد تفرقها في المرعى، و نقلها من مسرح إلى مسرح، و دفع عدوها من سبع و غيره كالسارق، و علموا اختلاف طباعها و شدة تفرقها مع ضعفها و احتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة و عرفوا اختلاف طباعها و تفاوت عقولها، فجبروا كسيرها و رفقوا بضعيفها و أحسنوا التعاهد لها، فيكون تحمّلهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلّفوا القيام بذلك من أول وهلة لما تحصّل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، و خصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها و لأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل و البقر لإمكان ضبط الإبل و البقر بالربط دونها في العادة المألوفة و مع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها. و في ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لذلك بعد أن علم أن أكرم الخلق على اللَّه
[١] أخرجه البخاري ٣/ ١١٦ و ابن ماجة (٢١٤٩) و البيهقي في السنن ٦/ ١١٨ و أبو نعيم في الدلائل ١/ ٥٥.
[٢] أخرجه البخاري ٤/ ١٩١ و مسلم ٣/ ١٦٢١ (١٦٣- ٢٠٥٠) و أحمد في المسند ٣/ ٣٢٦.
[٣] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٩٦ و ابن سعد في الطبقات ١/ ١/ ٨٠ و ابن المبارك في الزهد (٤١٥).