سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - الباب الثالث في حدوث الرجوم و حجب الشياطين من استراق السمع عند مبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)
و قد سمعته العرب و توقّف عن الإيمان به أكثرهم، أنزل اللَّه سبحانه و تعالى سورة الجن إثر سورة نوح تبكيتا لقريش و العرب في كونهم تباطأوا عن الإيمان، إذ كانت الجن خيرا منهم و أقبل إلى الإيمان، هذا و هم من غير جنس رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و مع ذلك فعند ما سمعوا القرآن استعظموه و آمنوا به للوقت و عرفوا كونه معجزا، و هم مع ذلك مكذّبون له و لمن جاء به بغيا و حسدا أن ينزل اللَّه من فضله على من يشاء من عباده.
و روى الإمام أحمد و البيهقي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون إلى الأرض فيزيدون فلم يزالوا كذلك حتى بعث اللَّه تعالى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس فقال:
لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم فوجدوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يتلوا القرآن قالوا: هذا و اللَّه الحدث. و إنهم ليرمون فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا و لكنه لا يقتله، يحرق جنبه وجهة يده.
و روى ابن سعد و البيهقي و أبو نعيم من وجه آخر عن سعيد عنه قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي فيخبرون به الكهنة فلما بعث اللَّه تعالى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) دحروا منه، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن: هلك أهل السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا و صاحب البقر ينحر كل يوم بقرة و صاحب الغنم ينحر كل يوم شاة، و قال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فأتوني من تربة كل أرض. فأتوه بها فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا الحدث فنصتوا فإذا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد بعث.
و روى البيهقي من طريق العوفي عنه قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى و محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث اللَّه تعالى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) حدست السماء حرسا شديدا و رجمت الشياطين.
و روى محمد بن عمر الأسلمي و أبو نعيم عن ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبّأ فيه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منعت الشياطين من خبر السماء و رموا بالشّهب فذكروا ذلك لإبليس فقال: بعث نبيّ عليكم بالأرض المقدسة. فذهبوا ثم رجعوا فقالوا: ليس بها أحد. فخرج إبليس يطلبه بمكة فإذا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد و معه جبريل.
و روي أيضا عن أبيّ بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رمى بها، فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيّبون أنعامهم و يعتقون أرقّاءهم يظنون أنه الفناء و فعلت ثقيف مثل ذلك، فبلغ عبد ياليل فقال: لا تعجلوا