سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - تنبيهات
فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا و كذا. فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
انتهى [١].
ففي قوله «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها و ربما ألقاها قبل أن يدركه» إلى آخره، ما يجمع بين القولين السابقين.
و أما قول السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): لولا أن الشهاب قد يخطئ الشيطان لم يتعرض له، أي الاستماع، مرة أخرى. فجوابه- كما أشار إليه الحافظ في الفتح- أنه يجوز أن يقع التعرض مع تحقق الإصابة لرجاء اختلاف الكلمة و إلقائها قبل إصابة الشهاب ثم لا يبالي المختطف بالإصابة لما طبع عليه من الشر.
و قال أبو عثمان الجاحظ [٢]: فإن قيل: كيف تعرّض الجن لإحراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟ فالجواب: إن اللَّه تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة.
الثاني: قال بعضهم: ظاهر القرآن و الأحاديث يقتضي أن الرجم بالنجوم نفسها. و قال القرطبي: ليست الشّهب التي يرجم بها من الكواكب الثوابت يدل على ذلك رؤية حركاتها، و الثابتة لا تجري و لا ترى حركاتها لبعدها. و قال في موضع آخر: قال العلماء نحن نرى انقضاض الكواكب فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان، و يجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار من الهواء فيخيّل إلينا أنه نجم يرى.
و قال في موضع آخر: الكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقضّ. قال النقاش و مكي: و ليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها، و هذا الراجمة ترى حركتها لأنها قريبة منا.
و قال الإمام أبو عبد الله الحليمي في منهاجه: ليس فيما نتلوه من كلام ربنا عز و جل أن الشيطان يرمى بالكواكب أو النجوم. ثم أطال الكلام في تقرير أن الرمي إنما هو بالشّهب و هي شعل النار، و جعل المصابيح كناية عن الشعل لا النجوم.
و قال الإمام شهاب الدين أبو شامة (رحمه اللّه تعالى): الشهاب في اللغة اسم للشّعلة الساطعة من النار ثم أطلق على النجم المرصد لرجم الشياطين المسترقين للسمع لأنها لمّا عيّنت لرجم الشياطين و هي الشّعل من النّار، أطلق عليها لفظ الشهب لهذه الملابسة و المجاورة مجازا.
[١] أخرجه البخاري ٦/ ١٠٠ و الترمذي (٣٢٢٣) و ابن ماجة (١٩٤).
[٢] في أ الحافظ.