سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٢ - الباب السابع عشر في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
و بطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته بنت الخطاب لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها فلما فعل ذلك قالت له أخته و ختنه: نعم قد أسلمنا و آمنا باللَّه و رسوله فاصنع ما بدا لك.
فلما رأى عمر مات بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى و قال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. و كان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي. و حلف لها بآلهته ليردّنها إذا قرأها إليها.
فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي أنت نجس على شركك و إنه لا يمسّه إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة و فيها طه فقرأها فلما قرأ صدرا منها فقال ما أحسن هذا الكلام و أكرمه.
و في رواية أنه وجد في الصحيفة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فذكر من أين اشتق.
ثم رجع إلى نفسه فقرأ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حتى بلغ آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا رسول اللَّه. انتهى.
فلما سمع ذلك خبّاب خرج إليه فقال له يا عمر و اللَّه إني لأرجو أن يكون اللَّه تعالى قد خصّك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس و هو يقول: اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فاللَّه اللَّه يا عمر. فذكر الحديث [١].
و في رواية مجاهد عمن روى أن عمر قال: كنت للإسلام مباعدا و كنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها و أشربها و كان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزوّرة عند دور آل عمر بن عبد عمران المخزومي، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت في نفسي: فلو أني جئت فلانا الخمّار و كان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها فخرجت فلم أجده. فقلت في نفسي: فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم يصلّي و كان إذا صلى استقبل الشام و جعل الكعبة بينه و بين الشام، فكان مصلّاه بين الركنين الركن الأسود و الركن اليماني فقلت حين رأيته: و اللَّه لو سمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول. فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروّعنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه فجعلت أمشي رويدا رويدا و رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم يصلّي يقرأ القرآن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني و بينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رقّ له قلبي فبكيت و دخلني الإسلام، فلم أزل
[١] أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٤٨٧ و انظر البداية و النهاية ٣/ ٨٠.