سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٩ - الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أنواعا من الآيات و خرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى و الرشاد
قد بدا لهم فيما يكلمهم فيه بداء، و كان حريصا عليهم يحب رشدهم و يعزّ عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، و إنا و الله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء و عبت الدين و شتمت الآلهة و سفّهت الأحلام، و فرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلّا قد جئته فيما بيننا و بينك. أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا و إن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، و إن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، و إن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك- و كانوا يسمون التابع من الجن رئيّا- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطبّ لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما بي ما تقولون، ما جئت به أطلب أموالكم و لا الشرف فيكم و لا الملك عليكم، و لكن اللَّه تعالى بعثني إليكم رسولا و أنزل عليّ كتابا و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا، فبلّغتكم رسالات ربي و نصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا و الآخرة و إن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني و بينكم. أو كما قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا لك فإنك قد علمت أنه ليس أحد أضيق بلدا و لا أقلّ مالا و لا أشدّ عيشا منا، فاسأل لنا ربّك أنهارا كأنهار العراق و الشام، و ليبعث لنا من مضى من آبائنا، و ليكن ممن يبعث لنا منهم قصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحقّ هو أم باطل، فإن صدّقوك و صنعت ما سألناك صدّقناك و عرفنا منزلتك من اللَّه و أنه بعثك إلينا رسولا كما تقول.
فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما بهذا بعثت لكم، إنما جئتكم من اللَّه بما بعثني به و قد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا و الآخرة، و إن تردّوه أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني و بينكم.
قالوا: فإذا لم تفعل فخذ لنفسك، سل ربّك يبعث معك ملكا يصدّقك بما تقول و يراجعنا عنك، و سله فليجعل لك جنانا و قصورا و كنوزا من ذهب و فضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق و تلتمس الرزق و تلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك و منزلتك إن كنت رسولا.
فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي سأل ربّه هذا و ما بعثت إليكم بهذا، و لكن اللَّه بعثني بشيرا و نذيرا أو كما قال. فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا و الآخرة، و إن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني و بينكم.