سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - الباب السادس في أمر الله سبحانه و تعالى رسوله محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) بإظهار الإسلام
ما كذبتكم و لو غررت الناس ما غررتكم، و اللَّه الذي لا إله إلا هو إني لرسول اللَّه إليكم خاصة و إلى الناس كافة، و اللَّه لتموتن كما تنامون و لتبعثن كما تستيقظون و لتحاسبنّ بما تعملون، و لتجزونّ بالإحسان إحسانا و بالسوء سوءا و إنها للجنة أبدا أو النار أبدا، و إنكم لأول من أنذر، و مثلي و مثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه. فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك و مرافدتك و أقبلنا لنصحك و أشد تصديقنا لحديثك، و هؤلاء بنو أبيك مجتمعون و إنما أنا أحدهم، غير أني و اللَّه أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به فو اللَّه لا أزال أحوطك و أمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوّع إلى فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.
و تكلم القوم كلاما ليّنا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه و اللَّه السّوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم و إن منعتموه قتلتم.
فقال أبو طالب: و اللَّه لنمنعنّه ما بقينا.
و قالت صفية بنت عبد المطلب لأبي لهب: أي أخي أ يحسن بك خذلان ابن أخيك و إسلامه؟ فواللَّه ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ عبد المطلب نبيّ فهو هو. فقال:
هذا و اللَّه الباطل و الأماني و كلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش كلها و قامت معها العرب فما قوّتنا بهم؟ فو اللَّه ما نحن عندهم إلا إكلة رأس.
و روى الشيخان و البلاذريّ عن ابن عباس، و الشيخان عن أبي هريرة، و مسلم عن قبيصة ابن المخارق رضي اللَّه عنهم، أنّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما أنزل عليه وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قام على الصّفا فعلا أعلاها حجرا ثم نادى: يا صباحاه. فقالوا من هذا؟ و جعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب و قريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أ كنتم مصدّقيّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا.
فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، يا عباس عم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنقذ نفسك من النار فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئا، يا صفية عمة محمد، و يا فاطمة بنت محمد أنقذا أنفسكما من النار فإني لا أملك لكما من اللَّه شيئا، غير أن لكما رحما سأبلّها ببلالها، إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد.