سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - تنبيهات
و أجيب بأنهما لو كانا مترادفين لم يحسن تكرارهما في بليغ الكلام. و في الآية إضمار تقديره: و ما أرسلنا من رسول و لا نبَّأنا من نبيّ كما في قوله:
و رأيت روحك في الوغى* * * متقلّدا سيفا و رمحا
أي و حاملا رمحا.
و قال الآمدي [١] (رحمه اللّه تعالى)- بعد حكايته مذهب الفلاسفة في النبوّة، و قول من قال إن النبي من علم كونه نبيّا و قول من قال: إن النبوة سفارة بين الحق و الخلق و تزييف كل منها- و الحقّ ما ذهب إليه أهل الحق من الأشاعرة و غيرهم من أن النبوة ليست راجعة إلى ذاتيّ من ذاتيات النبيّ و لا إلى عرض من أعراضه المكتسبة له، بل هي موهبة من اللَّه تعالى و نعمة منه عليه يجعله متأهّلا للرسالة، و حاصلها يرجع إلى قول اللَّه تعالى لمن اصطفاه من عباده: أرسلتك أو بعثتك فبلّغ عني. انتهى.
فعلم بذلك: أن النبوة و الرسالة من الصفات الاعتبارية كالولاية للوليّ و الإمامة للسلطان و نحو ذلك، لأن القول لا يوجب لمتعلّقه صفة كما صرح به القاضي عضد الدين.
تنبيهات
الأول: لا يلزم من كون الرسالة قول اللَّه: أرسلتك. أن تكون قديمة ضرورة قدم الكلام الرباني، لأن الرسالة ليست الكلام القديم فقط، بل الكلام القديم بصفة كونه متعلّقا بالمخاطب، و التعلق و المتعلّق- بفتح اللام- حادث غير قديم.
الثاني:
روى الحاكم أن رجلا قال: يا نبيّ اللَّه- أي بالهمز- فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«لست نبيء اللَّه و لكني نبيّ اللَّه»
[٢] قال الذّهبي: إنه حديث منكر و في سنده حمدان بن أعين و ليس بثقة، و على تقدير صحته فأّجيب عنه بأن أبا زيد حكى: نبأت من أرض إلى أرض أخرى، أي خرجت منها إليها، فإذا قال: يا نبيء اللَّه احتمل أن يريد يا طريد اللَّه الذي أخرجه من بلده إلى غيرها فنهاه عن ندائه بلفظ النبيء مهموزا. و نظيره نهى المؤمنين عن قولهم له «راعنا» لأن اليهود وجدوا بذلك طريقا إلى سبّه.
[١] علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، سيف الدين الآمدي شيخ المتكلمين في زمانه و مصنف الأحكام. ولد بآمد بعد الخمسين و خمسمائة بيسير و رحل إلى بغداد و قرأ بها القراءات، و قرأ الهداية على مذهب الإمام أحمد.
و اشتغل على أبي الفتح بن المنى الحنبلي ثم تحول شافعيا و صحب أبا القاسم بن فضلان (٦)، و اشتغل عليه في الخلاف و برع فيه، و يحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: ما تعلمنا قواعد البحث إلا منه، و أنه قال: ما سمعت أحدا يلقي الدرس أحسن منه كأنه يخطب، و أنه قال: لو ورد على الإسلام متزندق يستشكل ما تعين لمناظرته غيره لاجتماع آلات ذلك فيه. توفى في صفر سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة. [انظر الطبقات لابن قاضي شهبة ٢/ ٧٩، ٨٠، و طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٢٩، و وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٥.
[٢] أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٣١ و العقيلي في الضعفاء ٣/ ٨١ و ذكره السيوطي في الدر ١/ ٧٣.