سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٩ - الباب الثالث في حدوث الرجوم و حجب الشياطين من استراق السمع عند مبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)
هذا حلم. ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا و إذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب و التفتّ فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في منامي و بيده حربة و رجل شيخ ممسك بيده يردّه عنها، فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيّها شئت فداء لناقة جاري الإنسيّ.
فقام الفتى فأخذ منها ثورا و انصرف ثم التفت إليّ الشيخ و قال: يا فتى إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل: أعوذ باللَّه ربّ محمد من هول هذا الوادي. و لا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها. فقلت له: و من محمد؟ قال: نبي عربيّ لا شرقي و لا غربيّ، بعث يوم الاثنين.
قلت: أين مسكنه؟ قال: يثرب. ذات النخل. فركبت راحلتي حين برق لي الصبح و جدّيت السّير حتى أتيت المدينة فرآني رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فحدّثني قبل أن أذكر له شيئا و دعاني إلى الإسلام فأسلمت.
و روى مسلم و ابن إسحاق عن ابن عباس عن نفر من الأنصار، أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لهم: «ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟» قالوا: يا نبي اللَّه كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملك ملك، ولد مولود مات مولود. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«ليس ذلك كذلك، و لكن اللَّه سبحانه و تعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه [١] حملة العرش فسّبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبّح من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبّحوا. ثم يقول بعضهم لبعض: ممّ سبحتم؟ فيقولون: سبّح من فوقنا فسبّحنا لتسبيحهم فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم: ممّ سبحتم؟ فيقولون: قضى اللَّه تعالى في خلقه كذا و كذا للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به، فتسرقه فتسترقه الشياطين بالسمع على توهّم و اختلاف، ثم يأتون به الكهّان فيحدثونهم فيخطئون بعضا ثم إن اللَّه تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة».
و روى عن لهيب بن مالك اللهبي قال: حضرت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقلت: بأبي أنت و أمي نحن أول من عرف حراسة السماء و الشياطين و منهم من استراق السمع عند قذف النجوم، و ذلك أنّا اجتمعنا إلى كاهن يقال له خطر بن مالك، و كان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة و ثمانون سنة فقلنا: يا خطر هل عندك علم من علم هذه النجوم التي يرمى بها فإنا قد فزعنا لها و خفنا سوء عاقبتها. فقال: ائتوني بسحر، أخبركم الخبر، الخير أم الضرر و الأمن أم الحذر.
[١] في أ يسمعه.