سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - تنبيهات
نسخته بعد.
الرابع: وقع في بعض النسخ القديمة من الفتح و تبعه الشيخ و شيخنا القسطلاني في شرحيهما أن الإمام أحمد روى في تاريخه عن الشّعبي أن فترة الوحي كانت ثلاث سنين، و أن ابن إسحاق جزم بذلك.
قلت: و هذا وهم بلا شك، و عزو ذلك لجزم ابن إسحاق أشدّ، و كأنَّ الحافظ قلّد في ذلك و لم يراجع التاريخ المذكور، فإن الموجود فيه و في الطبقات لابن سعد و دلائل البيهقي عن داود بن أبي هند، عن الشّعبي قال: أنزلت عليه النبوة و هو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة و الشيء، و لم ينزّل عليه القرآن على لسان، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة.
الخامس: قال الحافظ ابن كثير في البداية: قال بعضهم: كانت الفترة قريبا من سنتين أو سنتين و نصف و الظاهر و اللَّه أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشّعبي و غيره، و لا ينفي هذا تقدّم إيحاء جبريل إليه أولا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم حصلت الفترة التي اقترن معه ميكائيل، ثم اقترن به جبريل بعد نزول: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ثم حمي الوحي بعد هذا و تتابع.
قلت: الثابت عن الشّعبي إنما هو إسرافيل كما تقدم لا ميكائيل، و إن كان ابن التّين جزم به، و لتتأمل عبارة الشّعبي إن كانت تفهم ما قال أنه الظاهر.
السادس:
روى البخاري في بدء الوحي و تفسير سورة اقرأ من طريق ابن شهاب: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو يحدّث عن فترة الوحي: قال في حديثه: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء ...
و ذكر الحديث.
و في تفسير سورة المزمّل من طريق عليّ بن المبارك، و من طريق حرب بن شدّاد، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أيّ القرآن أنزل أول؟
فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أنبئت أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت»
فذكر الحديث السابق.
قال الحافظ: رواية الزّهري تدل على أن المراد بالأوّلية في قوله: أول ما نزل سورة المدثر. أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالإنذار، لا أن المراد بها أوّلية مطلقة، و إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال عروة بكذا. أي بحديث عائشة في بدء الوحي و نزول سورة اقرأ.