سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - تنبيهات في بعض فوائد الحديث
و الفاء في «فمن أطاع محمدا» فاء السببية، أي لمّا كان الرسول يدعوهم إلى اللَّه تعالى بأمره و هو سفير من قبله فمن أطاع فقد أطاع اللَّه، و من عصاه فقد عصى اللَّه.
و قال الطيبي: قوله: «مثل كمثل رجل» مطلع للتشبيه، و هو مبني على أن هذا التشبيه ليس من التشبيهات المفرّقة كقول امرئ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا و يابسا* * * لدى و كرها العنّاب و الحشف البالي
شبّه القلوب الرطبة بالعناب، و اليابسة بالحشف على التفريق، بل هو من التمثيل الذي ينتزع فيه الوجه من أمور معدودة متوهّمة منضمّ بعضها مع بعض إذا لو أريد التفريق لقيل: مثله كمثل داع بعثه رجل و من ثمّ قدّمت الملائكة في التأويل الردّ على الداعي و على المضيف، و روعي في التأويل أدب حسن، حيث لم يصرح المشبّه بالرجل لكن لمّح في قوله: «من أطاع اللَّه» ما يدل على أن المشبّه من هو. و نظيره في التمثيل قوله تعالى: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ» قال في الكشّاف: و لي الماء الكاف و ليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء و لا بمفرد آخر يتمحّل لتقديره، و مما هو بيّن في هذا قول لبيد:
و ما الناس إلا كالديار و أهلها* * * بها يوم حلّوها و غدوا بلاقع
لم يشبّه الناس بالديار و إنما شبّه وجودهم فيها و سرعة زوالهم و فنائهم بحلول أهل الديار فيها و وشك نهوضهم عنها و تركها خلاء خاوية.
و تحريره أن الملائكة مثّلوا سبق رحمة اللَّه تعالى على العالمين بإرسال الرحمة المهداة للخلق كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] ثم إعداده الجنة للخلق و دعوته (صلّى اللّه عليه و سلم) إياهم إلى الجنة و نعيمها و بهجتها، ثم إرشاده للخلق بسلوك الطريق إليها و اتباعهم إياه بالاعتصام بالكتاب و السنة المدليان إلى العالم السّفلي، و كأن الناس واقعون في مهواة طبيعتهم، و مشتغلون بشهواتها، و أن اللَّه تعالى يريد بلطفه رفعهم فأدلى حبل القرآن و السنّة إليهم ليخلّصهم من تلك الورطة، فمن تمسك بها نجا و حصل في الفردوس و الجناب الأقدس عند مليك مقتدر، و من أخلد إلى الأرض هلك و أضاع نصيبه من رحمة اللَّه تعالى: بحال مضيف كريم بنى دارا و جعل فيها من ألوان الأطعمة المستلذّة و الأشربة المستعذبة ما لا يحصى و لا يوصف ثم بعث داعيا إلى الناس يدعوهم إلى الضيافة إكراما لهم، فمن تبع الداعي نال من تلك الكرامة، و من لم يتبع حرم منها.
ثم إنهم وضعوا مكان حلول سخط اللَّه تعالى بهم و نزول العقاب السّرمد عليهم قولهم:
«لم يدخل الدار و لم يأكل من المأدبة» لأن فاتحة الكلام سيقت لبيان سبق الرحمة على