سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - تنبيهات في بعض فوائد الحديث
و قال الطيبي: و هذا التشبيه من التشبيهات المفرّقة، شبّه ذاته (صلّى اللّه عليه و سلم) بالرجل، و ما بعثه اللَّه تعالى به من إنذار القوم بعذاب اللَّه القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبّح، و شبّه من أطاعه من أمته و من عصاه بمن كذّب الرجل في إنذاره و صدّقه.
و في قول الرجل: أنا النذير العريان إلخ أنواع من التأكيد: أحدها: «بعيني» لأن الرؤية لا تكون إلا بها. و ثانيها: قوله: «إني» و «أنا» و ثالثها:
«العريان»
فإنه دال على بلوغ النهاية في قرب العدوّ. و في ذلك تنبيه على أنه الذي يختص في إنذاره بالصدق و الذي لا شبهة فيه، و هو الذي يحرص جدا على خلاص قومه من الهلاك.
و قال في الفرقة الأولى:
«فأطاعني»
و قابله في الثانية ب
«كذّب»
ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، و يشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان، كأنه جمع في كل من الفرقتين بين المعنيين. و إلى المعنيين أشار بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من أطاعني» إلى آخره. و أتبع قوله:
«اجتاحهم»
قوله
«أهلكهم»
إعلاما بأنه أهلكهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد.
الجيش- بجيم فمثناة تحتية فشين معجمة.
بعيني: روى بالإفراد و بالتثنية.
النّجاء النجاء- بالمد فيهما، و بمد الأولى و قصر الثانية، و بالقصر فيهما تخفيفا، نصبا على المصدر أي أنجو النجاء أو على الإغراء أي اطلبوا النجاء تسرعوا الهرب.
أدلجوا: بهمزة فسكون أي ساروا أول الليل كله على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة.
مهلهم- بفتحتين- و المراد به الهينة و السكون. و بفتح أوله و سكون ثانيه: الإمهال و ليس مرادا هنا.
الطائفة هنا: الفرقة.
صبّحهم: أتاهم صباحا هذا أصله، ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان.
اجتاحهم: بجيم فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة أي استأصلهم من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته و الاسم الجائحة و هي الهلاك، و أطلقت لأنها مهلكة.
الثالث: في بعض فوائد الحديث الثالث:
قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في شرح المصابيح (رحمه اللّه تعالى): هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون حكاية سمعها جابر من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فحكاها. و ثانيهما: أن يكون إخبارا بما شاهده هو نفسه و انكشف له.
و قول بعض الملائكة: «إن العين نائمة و القلب يقظان» مناظرة جرت بيانا و تحقيقا لما أنّ النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس و استراحة الأبدان.