سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٩ - تنبيهات
فأنزل اللَّه تعالى على نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ [الجن: ١] و إنما أوحي إليه قول الجن.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي (رحمه اللّه تعالى): و هذا الذي حكاه ابن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجنّ قراءة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و علمت بحاله و لم يرهم، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معهم و قرأ عليهم القرآن كما رواه مسلم عن ابن مسعود.
و يؤيد قول البيهقي أثر كعب السابق أول الباب.
قال البيهقي: و ابن مسعود قد حفظ القصتين فرواهما.
و قال غيره: أثر ابن مسعود أثبت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قرأ على الجن و رآهم، فكان ذلك مقدّما على نفي ابن عباس.
و قد جاء عن ابن عباس ما يوافق ابن مسعود. فروى ابن جرير بسند جيد قوي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ [الأحقاف: ٢٩] الآية. قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رسلا إلى قومهم.
فهذا يدل على أن ابن عباس روى القصتين كابن مسعود.
الرابع: قال الحافظ: لا يعكر على قولنا حديث ابن عباس كان في أول البعثة، كما تقرر قوله إنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فيحتمل أن يكون ذلك بعد فرض الصلوات ليلة الإسراء لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان قبل الإسراء يصلي قطعا و كذلك أصحابه و لكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا فيصح هذا على قول من قال إن الفرض كان أولا صلاة قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و الحجة فيه قوله تعالى: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩] و نحوها من الآيات. فيكون إطلاق صلاة الفجر في هذا الحديث باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول البعثة.
و قد أخرج الترمذي و الطبري هذا الحديث بسياق سالم عن الإشكال الذي ذكرته من طريق أبي إسحاق السّبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت الجن تصعد إلى السماء يستمعون الوحي. و تقدم هو و أحاديث أخر تدل على أن هذه القصة وقعت أول البعثة و هو الذي تظافرت به الأخبار و هو المعتمد.
الخامس: في بيان غريب ما سبق.
الإعصار: قال في الصحاح ريح تثير الغبار و يرتفع إلى السماء كأنّه عمود.
العكلي: بضم العين المهملة و سكون الكاف. الإداوة بالكسر: المطهرة.
أقيل: أنام وقت القيلولة و هي نصف النهار.