سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٤ - الباب السابع عشر في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
و روى ابن إسحاق عن بعض آل عمر قال: قال عمر لمّا أسلمت تلك الليلة تذكّرت أيّ أهل مكة أشد لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت. قال: فقلت: أبو جهل.
فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه فخرج أبو جهل فقال: مرحبا و أهلا يا بن أختي ما جاء بك؟ قلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت باللَّه و رسوله و صدّقت بما جاء به. فضرب الباب في وجهي و قال: قبحّك اللَّه و قبح ما جئت به.
و روى أيضا بسند صحيح عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أيّ قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي. قال: فغدا عليه. قال عبد الله: و غدوت معه أتبع أثره و أنظر ما ذا يفعل حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت و دخلت في دين محمد؟ قال: فو اللَّه ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه و تبعه عمر، و اتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- و هم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب و لكني أسلمت و شهدت أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله. و ثاروا إليه فما برح يقاتلهم و يقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم و طلع فقعد و قاموا على رأسه و هو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف باللَّه أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها أو تتركونها لنا.
فبينا هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة و قميص موشّى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون منه؟
أ ترون بني عديّ بن كعب يسلمون لكم صاحبكم؟ هكذا خلّوا عن الرجل. قال: فو اللَّه فكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبي من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت و هم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بنيّ العاصي بن وائل السّهمي. و مات مشركا.
و روى البخاري عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: بينا عمر في الدار خائفا إذ جاءه العاصي بن وائل السّهمي و عليه حلة حبرة و قميص مكفوف بحرير فقال: ما بك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت. قال: لا سبيل إليك أمنت. فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فكرّ الناس و تصدّعوا عنه. [١]
و روى البخاري عن ابن مسعود قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر.
[١] انظر الروض الأنف ٢/ ١٠٠.